مملق، وأنا اكتفي بترغيب من كان عنه منحرفًا، وتثبيت من كان إليه متشوّفًا، بوصف موقف منه شهدته في بعض ظواهر مدينة السلام، وهناك غيضة ذات ماء أزرق، وشجر مرجحن (١) مورق، فبينا أنا مائل فيها ومتنزه في نواحيها، وقد تاوّدت في حلل الورود شجراؤها، وتفاوحت بروائح المسك أنواؤها، إذْ أَقْبَلَتْ قبل الذرور والشروق وشمرت عن الاذرع والسوق مقلدين خرائط تحمل من البندق الموزون الملوم ماهو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط بالجمر فجاء كبنان الفهر وقد اختير طينه، وملك عجينه، كافل مطاعم حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من أبعد مرام، يعرج إليها وهو سم ناقع، ويهبط إليهم وهو رزق نافع، وبأيديهم قسي مكسوة (٢) بأغشية السندس مشتملة منها بأفخر ملبس. مثل الكماة في جواشنها (٣) ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جُرِّدت مِنْ تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، رأيتُ منها قدودًا مخطفة رشيقة، وألوانًا معجبة أنيقة، صلبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب، سمهريّة الاعتزاء والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الزاغبية، وقرون الأوعال الجبلية، قد تحنّت تحني النساك. وصالت صيال الفتاك. ظواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة. كأن شمس أصيل طلعت [في] متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفران جرى فوق مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو ثني قضبان فضة اذهب بعضها واحترق شطر، أو حبّات رمل اعتنقت السود منها والصفر. فلما توسطوا تلك الروضة، وانتشروا على اكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشَخَصَتْ إلى الطير أبصارهم، وتروها بكل وتر فوّق سهمه. وافق انقض نجمه مضاعف عليها من وترين، كأنه بروح ذو جسدين، في وسط تسريحة كيس مختوم أو سرة بطن مهضوم، كأنها متخازر ينظر شزرا، أو مصغ يتسمع نزرا، تصيب قلوب الطير بالأنباض وتصيب منها مواقع الأعراض، فلم يزل القوم يرمون ويصيبون. وينجحون ولا يخيبون، حتى خَلَتْ من البندق خرائطهم. وامتلأت بالصيد حقائبهم. فكم عارضت الطير فكسرت اجنحتها وجاجيها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، تعاجَلُ قبل فناء ذمائها، ويصير ريشها كالمجاسد من دمائها، محمولة على حكم الكفار. إذ يقتلون ومصيرهم إلى النار، تَحنط بتوابلها وأبازيرها،