للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

جوارح مؤللة المخالب والمناسر، مذربة النصال [و] الخناجر (١)، سابغة الأذناب، كريمة الانتساب (٢)، إذ وردنا ماءً زرقًا جمامه، طامية ارجاؤه، يبوح بأسراره صفاؤه، ويلوح في قرارِهِ حصباؤه، وأفانين الطير به محدقة، وغرائبه عليه محلقة (٣)، متغايرة الألوان والصفات مختلفة اللغات والأصوات (٤)، فلما أقبلنا (٥) عليها، ارسلنا الجوارح كأنّها رُسُل المنايا، أو سهام القضايا فلم يُسمع إلا مسميًا. ولم نَرَ إلا مذكيًا، وانطلقنا بعد ذلك نعتام في الطير ونتخير، ونقترح ونتحكم فاختطفنا ببزاتنا ما طار منه وانتشر، وأخذنا بجوارحنا ما لاح منها واستتر، واهتدت إليها، تستدل عليها بالشميم، وتهتدي إليها بالنسيم، فلم يفتنا ما بَرَزَ، ولا سلم منا ما احترز. ثم عدلنا من مطاير الحمام (٦) إلى مسارح الآرام، وأمامنا أدلة فرهة يهتدون، وروّاد مَهَرَةٌ يرشدون، حتى أفضَيْنا إلى اسراب كثيرة العدد، متصلة المدد لاهية بأطلائها، رائعة في أكلائها، ومعنا فهود أخطف من البروق، وألْقَف من الليوث، وأجدى من الغيوث، وأمكن من الثعالب، وأدب من العقارب، وأنزى من الجنادب، خُمص البطون، رقش المتون خزر الأحداق، هُرْتُ الأشداق، غُلْبُ الرقاب، كاشرة عن أنياب كالحراب تَلْحَظُ الظباء من أبعد غاياتها، وتعرف حسّها من أقصى نهاياتها، فأقبلنا من تجاه الريح عليها، وأغذَدْنا (٧) نحوها وإليها، ثم وثبنا لها الضراء، وشنّنا عليها الغارة الشعواء، وأرْسَلْنا فُهودنا، وَجَرَتْ خيلنا في آثارها، كاسعة لأذنابها، فألقينا كلًا منها على ظبي قد افترشه وصرعه فعجعجه (٨)، وأوغلنا من بعد في اللحاق وقص آثار ما ندّ وبَعُد، وقد انتهت النوبة إلى الكلاب والصقور، ومعنا منها كل عريق المناسب، نجيح المكاسب، حلو الشمائل، نجيب المخايل، أغضف (٩) الأذنين أسيل الخدين، أبي النفس، ملتهب الشد لا يمس الأرض إلا تحليلا وإيماء ولا يطاها إلا إشارة وإيحاء، وكل صقر ماض كالحسام. قاضي


(١) بعده في معاهد التنصيص واليتيمة: طامحة الألفاظ والمناظر، بعيدة المرامي والمطارح، ذكية القلوب والنفوس، قليلة القطوب والعبوس.
(٢) بعده في المعاهد: صلبة الأعواد، قوية الأوصال، تزيد إذا طعمت شرهًا وقرمًا، وتتضاعف إذا شبعت كلمًا ونهمًا، فبينا نحن سائرون. وفي الطلب ممعنون.
(٣) في المعاهد، واقعة.
(٤) بعده في المعاهد واليتيمة: فمن صريح خلص وتهذب نوعه، ومن مشرب تهجن أو أقرف عَرْفُهُ.
(٥) في المعاهد: أوفينا.
(٦) في المعاهد: مطارح الخيام.
(٧) في الأصل: أعددنا.
(٨) عجعج: رفع صوته.
(٩) الأغضف من الكلاب: المنكسر أعلى أذنيه (القاموس).

<<  <  ج: ص:  >  >>