أشعب، ولم يعصم منه باب مغلق، وستر مطبق، ولا طعام جالس على طريق ولا محبوس وراء مضيق، بل لو قيل له: إن اللقمة خلف جبل قاف لقام إليها يسعى، أو في فم الأفعى لمدّ يَدَهُ إليها ولم يخف لسعا، قد تبلط وجهه الوقاح، وأفنى لحوم ذوات الأربع والجناح، ولم يدع في القدور شيئًا عليه يدور، ولا في المخافي ما هو عليه خافي ولا نوعًا من الأنواع، ولا ما يصلح للأكل مما يشترى ويباع. أو واكل ابن أبي سفيان (١) لأشغلَهُ عن العيان، أو سليمان بن عبد الملك (٢) لهلك، أو الملك العادل (٣) لأفقره في العاجل، أو عاصر ميسرة التراس (٤) لما اشتال له معه راس، أو عاشر القائد المغربي مولى فارح لأراه في الأكل كلّ قارح. لا يُعجبه لأجل السعي للأكل إلا كل يوم أغرّ يبدو نوره، وكل ملك إذا تغدى رفعت ستوره، ولا يعد فردًا إلا مَنْ قدَّم إليه قصعة مكلّلةً لحمًا مدفقة ثردًا، ولا يكون نازلا إلا لمن قال: «وإني لعبد (٥) الضيف مادام نازلا»، لا يتغدى بجمل ويتعشى بوسقه (٦) ما حمل، يصرف الأكل بغرارة، ويحمل معدته فوق السبع كارة، ولا يلفيه قدر الرغيف إلا كلما أرهن عليه قوسه حاجب بن زرارة، ولا يقنعه طبخه القدر إلا بجميع ما في الكوارة، يتنقل بأردب (٧)، ويأكل كلّما سعى ودبّ، ويتملّح بمد ملح وقوصرة بصل، ويتحلّى بعديلة تمر ووطب عَسَلْ، يشرب من اللبن وطبًا، وينتقل بحمل الحديقة رطبًا، القنطار عنده أُوقية، والرطل توابل التغذية، لا يحب إلا اسم بلعام (٨) وطعمه، ولا يأكل ملء الطبق إلا في لقمة، يأكل باليدين، ويشبع بالعين، لم يعرف في طول عمره التخم، ولا خاف الوخم، ولا وقع على جيف المآكل إلا وقوع الرخم، ولم يأكل ما شاء في سبعة أمعاء، وإنما يدخر معه في وعاء، ماقرأ من الفقه إلا كتاب الأطعمة،
(١) يريد به معاوية بن أبي سفيان، الخليفة الأموي، وقد اشتهر بكثرة الأكل. (٢) سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، الخليفة الأموي، اشتهر بكثرة الأكل (عيون الأخبار ٣/ ٢٢٧ والعقد الفريد ٦/ ٣٠١). (٣) الملك العادل محمد بن أيوب بن شاذي، أخو السلطان صلاح الدين، كان يوصف بكثرة الأكل (انظر: وفيات الأعيان ٥/ ٧٤). (٤) ميسرة التراس، كان في عصر المهدي، قيل كان يأكل الكبش العظيم ومئة رغيف (نثر الدرر ٢/ ٢٤٩ وربيع الأبرار ٣/ ٣٥٢). (٥) من قول المقنع الكندي: وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا … وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا (٦) الوسق: حمل بعير. (٧) الأردب: مكيال لأهل مصر. (٨) بلعام بن باعورا: من علماء بني إسرائيل.