للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.

قلت: وسُئِلتُ في تقليد لطفيلي فعملت:

الحمد لله الذي نعم في طيبات رزقه، ورزق بعض خلقه من خَلْقِهِ وأجاز للمرء في بعض المذاهب التوصل بما قدر عليه إلى أخذ حقه، نحمده على نِعَمِهِ التي وسِعَتْ الولائم، ومَتَّعَتْ بأكل كلّ ملائم، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أوّل ما يبدأ عنها باسم الله الآكل. ويهنا بها ما يهيًا من المآكل، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، الذي ماعاب قط طعامًا، ولا دعي إلى طعام إلا أَكَلَ ما لم يكن نوى صيامًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتلقمها المسامع التقاما، وسلم تسليمًا كثيرًا.

وبعد؛ فلما كان الغذاء هو قوام الأبدان ونظام عمارة البلدان، وموائد الطعام هي التي يجتمع عليها الإخوان، وتزهى بها صدور الإيوان، وتفتح وتختم بالحمد، وتمنح من أطايب الطعام مايتجاوز الحد، ويكون فيها ما يسر العين من بدائع الألوان، ويسري نجوم زباديها في سماء الخوان، وقد تحويه دور بعض البخلاء ومن لا يدعو الناس إلى طعامِهِ دعوة الجفلى (١)، ويكون في ماله الممنوع حق للسائل والمحروم، ومَنْ لا يتوصل إلى الحق منه إلا بالتطفيل المعلوم، ممن تعين الأكل من ماله بأنواع الحيل والهجوم على موائده المحجوبة وراء الحلل، واستعمال الأقدام على هذا وأمثاله لأكل طعامِهِ، وإخلاء المادة من قدامه، ولم يوجد لهذه العظيمة، ولا يُلام صاحب كل وليمة، إلا مَنْ كان إذا أكل اضطلع، وإذا مد يده إلى السماط اقتلع، أو صعد إلى السماء ذبح سعد الذابح وبلع سعد بلع ولم يزل يزلزل الموائد، ويملأ وعاء بطنه بزائد، ولا يعرف ما تكون البطنة، ولا ما تكفي منه اللقمة وتعني منه اللهنة ولا تقابله صدور الأطباق إلا وهي غير مطمئنة، وكان فلان هو الذي طالما كشف وَجْهَ السماط، وحلّ من سفر المخالي الرباط، وجال في جنبات الموائد حتى أخلاها، ورَكَضَ فيها ركض الجواد حتى ألحق أخراها بأولاها، وعرف في الولائم التي لم يزل فيها مشهور الحملة آتيا على التفصيل والجملة، ومعروفًا بكبر اللقم التي يكاد يختنق، وترك التشهي وأكل ما يتفق، وقوة النهمة التي لو لقمت الصخر لسحنته، أو كلّفت حوض البحر إلى كل لقمة واحدة لاستهونته، واشتهر بطبع طبع، عنّى كل من يجيء بعده وأتعب، وفرط طمع أطفأ كل طفيلي وأمات أشعب وأم


(١) الجفلى: الدعوة العامة (القاموس).

<<  <  ج: ص:  >  >>