بنو الفرات، وهم كبراء الوزراء والكتاب الذين تلقوا أمر الخلافة، وأطربوا ببدائعهم لا بالسلافة، وتنقلوا في الممالك فكانوا نواها، وتتبعوا خللها، وكادوا لأواها. وضعوا الأيام بالميراث، وسعوا بالشام المشوات، وخدموا الملوك، ونظموا السلوك، وأفادوا مننًا جسامًا، وكشفوا البدور وجوهًا وسامًا، فما حلُّوا في إقليم إلا/ ٨٦/ وحلُّوا بحلولهم كنفه، وزلوا أقمارهم تحفه، وتدفق في كل مربع منهم عدن فرات، وتأنق كما نشرت عليه خيرات.
[[٤٢][محسن ابن الفرات]]
إلا أن محسن بن الفرات (١) كان لا يحسن في فعله، ولا يحسب حساب أحد من جهله، وغرته مسالمة الأيام، ومساعدة الزمان، وكان يحمله على هذا الأسباب سكران سكر سعادة … وسباب، فلهذا كان إذا ذكر عيبه ندم، وإذا أظهر سعته لا يلم، وكان من يقصده لحاجة ترتقت عينا، فإذا أعاب عرض حاجة، ليكون قضاؤها أسهل عليه، وأنهل إلى حمل من يحمله إليه، فإنه كان قصده عن حوائج الناس ويوقف قلمه أن يجري إلا لمبيع، ويصل لا يقطع، فقلَّ موقعه، وتمنوا زوال زمانه، ودانوا في … سوء محضره فعاد شؤمه على ابنه، ورأى به ما كره في نفسه وفيه.
(١) المحسن بن علي بن محمد ابن الفرات: من أبناء الوزراء. في سيرته عسف وجبروت. ولد سنة ٢٧٩ هـ/ ٨٩٢ م. كان مع أبيه ببغداد. وولاه أبوه «ديوان المغرب» سنة ٢٩٧ وعزلا معًا ونكبا سنة ٣٠٦ ثم عاد أبوه إلى الوزارة (سنة ٣١١ هـ) وهي وزارته الثالثة، فأطلق يد «المحسن» في أمور الدولة، فبالغ في الانتقام من خصومه وخصوم أبيه، وعذب وغرب. ولم تطل مدتهما. وكان الخليفة (المقتدر العباسي) مغلوبًا على أمره لهما ولغيرهما من خاصته وغلمانه، فتحوّل عن رأيه فيهما، وأباح القبض عليهما، ثم أمر بقتلهما، وجيء برأسيهما. ووضع الرأسان في مخلاة وألقيا في دجلة وذلك سنة ٣١٢ هـ/ ٩٢٤ م. ترجمته في: صلة تاريخ الطبري ٣٤، ٧٣، ٧٤، ١١١ - ١٢١، وفيات الأعيان ١/ ٣٧٢ - ٣٧٣ في ترجمة أبيه «علي بن محمد»، الأعلام ٥/ ٢٢٨.