للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

«كتبتها - أعزَّك الله وأدام إمتاعي بك إليك - وقد انتظم شملنا في بكرة، هذا اليوم الغنج البهج، … والسماء كما ترى قد اكتنفتها سحب لا تنجلي ولا تمطر. لا تعرف سحًا ولا طلا، ولا تسكب رذاذًا، ولا وبلًا، ونحن في مجلس دارت كؤبه علينا، وأهديت كؤوسه إلينا، تُرْفُ فيها عروس المدام كأنها خدود غلام. وعندنا شادِ لا يعرف أيهما ألعب بنا نغمه، أم الكؤوس؟ وأوضح وجهه المنير، أم الشموس؟ فبحق ما بيننا من عهود الشباب، وحقوق اللذات والأتراب إلا ما كملت طربنا بحضورك، ووصلت سرورنا بسرورك».

ومما كتبه إلى صديق له في منحة سلة فيها:

«إنَّ الله تعالى ليمتحن العبد لكثرة التواضع له والاستعانة به، ويجد الشكر على ما يوليه من كفايته، ويأخذ بيده في شدَّته؛ لأنَّ دوام النعمة والعافية كلاهما ينظر الإنسان، فيعجب بنفسه، ويعدل عن ذكر ربه».

وقال محمد بن يحيى: ركب العباس بن الحسن بعد وفاة القاسم بن عبد الله: بيوم - وأنا معه - فاجتاز بدار القاسم، فرأى بابه خاليًا فقال: لئن خلا هذا الباب لطالما امتلأ بالناس. قال: فقلت له: كأنَّ الوزير نطق بلسان ابن ناجية حيث يقول: [من الطويل]

وإن يُمْسِ وحشًا بابه فلربما … تَنَاطَحُ أَفْوَاجًَا إليهِ المَواكِبُ

يُحَيُّونَ بأسًا ما كأَنَّ جَبِيْنَهُ … هِلالٌ بَدَا فانجاب عنه السَّحائِبُ

وما غائِبٌ مَنْ كانَ يَرْجُو إِيَابَهُ … وَلكنَّهُ من ضُمِّنَ اللَّحْدَ غَائِبُ

واستعدى ندماءه إلى روضة يكاد يذري الدمع نرجسها إذا أضحى، ويقطر من شقائقها الدم لا يرقى، جرجار المدام قد طافت به الجواري، ولؤلؤ الطل تضاحك صباب كؤوسها، ويخلط بلحن أنجمه ذهب شموسها، فقال لندماه كلامًا معناه:

هل رأيتم أحسن من يجري دمعته وهو يضحك، أو أعجب من المدام يحيي النفوس وأوداج أباريقه تسفك، فهل من قائل في ذلك؟، قالوا السيد أحق، فقال: [من المنسرح]


= الأعيان ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧، ٥/ ٥٧، والكامل في التاريخ ٨/ ١٤٨، وإعتاب الكتاب ١٨٦، وسير أعلام النبلاء ١٤/ ٥٥٥١ رقم ٢٥، والوافي بالوفيات ١٦/ ٦٤٨ - ٦٥١ رقم ٦٨٩، وانظر: صلاة عُريب ٢٥ - ٣٣، وتكملة تاريخ الطبري للهمداني ١٩١ - ١٩٥، ٣٩٨، ٤١٩، وتجارب الأمم ١/٥، وتاريخ الخميس ٢/ ٣٨٦، الأعلام ٣/ ٢٥٩، تاريخ الإسلام (السنوات ٢٩١ - ٣٠٠ هـ) رقم ٢٣١.

<<  <  ج: ص:  >  >>