قال: فهذه ثلاث نعم اجتمعت له لم يُسمع أنها اجتمعت لغيره من الأمم، ورفعه الله في عمود من نور. والهند والصابئة يزعمون أنه وقع في نار بعثها الله إليه، ولهذا الهند تحرق أجسادها بعد الموت، ومنهم من يحرقها قبل الموت، ويزعم أنه تقرب إلى الله وعبادة له.
قال ابن أصيبعة (١): أما هرمس الأول، وهو المثلث بالنعم، فإنه قبل الطوفان، وهرمس لقب كما يقال كسرى وقيصر، وتسميه الفرس في سيرتها اللجهد، وتفسيرها ذو عدل، وهو الذي تذكر الحرانية يعني الصابئة نبوته ويقول الفرس: إن جده كيومرت وهو آدم ﵇، ويقول العبرانيون: أنه خنوخ وهو بالعربية إدريس.
قال أبو معشر: هو أول من تكلم في الأشياء العلوية من الحركات النجومية، وأن جده كيومرت وهو آدم علمه ساعات الليل والنهار، وهو أول من بنى الهياكل، ومجد الله تعالى فيها، وأول من نظر في الطب، وتكلم فيه، وأنه ألف لأهل زمانه كتبًا كثيرة بأشعار موزونة، وقواف معلومة في الأشياء الأرضية العلوية، وهو أول من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفةً سماوية تلحق الأرض من الماء والنار. وكان مسكنه صعيد مصر فبنى هنالك الأهرام، ومدائن التراب، وخاف ذهاب العلم بالطوفان فبنى البرابي وهو في الجبل المعروف ببرباه أخميم، وصَوَّر فيها جميع الصناعات، وأشار إلى صفات العلوم لمن بعده حرصًا منه على تخليد العلوم بعده، وخيفة أن يذهب رسم ذلك من العالم.
قال: وفي الأثر أن إدريس أوّل من درس الكتب ونظر في العلوم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفةً ورفعه إليه مكانًا عليًا.