قُلْتُ: وهكذا لا تعارض بين حديث الاستسعاء وبين حديث عمران بن حصين.
قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي [تَهْذِيْبِ السُّنَنِ](٢/ ٢٦٥): «وقد عورض حديث أبي هريرة في السعاية بحديث عمران بن حصين، وحديث ابن عمر. أمَّا حديث عمران فقال الشافعي في مناظرته لبعض أصحاب أبي حنيفة في المسألة: وصح حديث نافع عن ابن عمر، وحديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء. ومراده بذلك: أنَّ الرجل في حديث عمران بن حصين لما أعتق الستة المملوكين لم يكمل النبي ﷺ عتقهم بالسعاية، بل أعتق ثلثهم، ولم يستسع باقيهم. وهذا لا يعارض حديث الاستسعاء فإنَّ الرجل أعتق العبيد، وهم كل التركة، وإنَّما يملك التبرع في ثلثها، فكمل النبي ﷺ الحرية في عبدين مقدار الثلث، وكأنَّهما هما اللذان باشرهما بالعتق. والشارع حجر عليه ومنعه من تبعيض الحرية في جميعهم، وكملها في اثنين. فأي منافاة في هذا لحديث السعاية؟ بل هو حجة على من يبعض العتق في جميعهم، فإنَّه لم يقل بالسعاية بعض أصله، وإن قال بها، وأعتق الجميع: ناقض الحديث صريحاً، ولا اعتراض بمناقضته على حديث أبي هريرة في السعاية» اهـ.