وسد البثوق، ونحوهما. قالوا: والخبيث إنَّما تحرم ملابسته باطناً وظاهراً، كالأكل واللبس، وأمَّا الانتفاع به من غير ملابسة، فلأي شيء يحرم؟
قالوا: ومن تأمل سياق حديث جابر، علم أنَّ السؤال إنَّما كان منهم عن البيع، وأنَّهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم، لما فيها من المنافع، فأبى عليهم وقال:"هو حرام"، فإنَّهم لو سألوه عن حكم هذه الأفعال، لقالوا: أرأيت شحوم الميتة، هل يجوز أن يستصبح بها الناس، وتدهن بها الجلود؛ ولم يقولوا: فإنَّه يفعل بها كذا وكذا، فإنَّ هذا إخبار منهم، لا سؤال، وهم لم يخبروه بذلك عقيب تحريم هذه الأفعال عليهم، ليكون قوله:"لا، هو حرام" صريحاً في تحريمها، وإنَّما أخبروه به عقيب تحريم بيع الميتة، فكأنَّهم طلبوا منه أن يرخص لهم في بيع الشحوم لهذه المنافع التي ذكروها، فلم يفعل. ونهاية الأمر أنَّ الحديث يحتمل الأمرين، فلا يحرم ما لم يعلم أنَّ الله ورسوله حرمه.
قالوا: وقد ثبت عنه أنَّه نهاهم عن الاستسقاء من آبار ثمود، وأباح لهم أن يطعموا ما عجنوا منه من تلك الآبار للبهائم، قالوا: ومعلوم أنَّ إيقاد النجاسة والاستصباح بها انتفاع خال عن هذه المفسدة، وعن ملابستها باطناً وظاهراً، فهو نفع محض لا مفسدة فيه. وما كان هكذا، فالشريعة لا تحرمه، فإنَّ الشريعة إنَّما تحرم المفاسد الخالصة أو الراجحة، وطرقها وأسبابها الموصلة إليها.