للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ونحن لا ننكر أن هناك اختلافا بين السلف في التفسير، كما لا ننكر أن هناك اختلافا بين قولين أو أقوال لشخص واحد منهم، ولكن هذا الاختلاف قلنا عنه - فيما سبق مفصلا - إن معظمه يرجع إلى اختلاف عبارة وتنوع، لا اختلاف تناقض وتضاد، فما كان من هذا القبيل فالجمع بينه سهل ميسور، وما لم يمكن فيه الجمع فالمتأخر من القولين عن الشخص الواحد مقدم إن استويا في الصحة عنه، وإلا فالصحيح المقدم.

أما إذا تعارضت أقوال جماعة من الصحابة وتعذر الجمع أو الترجيح فيقدم ابن عباس على غيره، لأن النبي بشره بذلك حيث قال: «اللهم علمه التأويل»، وقد رجح الشافعي قول زيد في الفرائض لحديث «أفرضكم زيد».

وأما ما ساقه على سبيل المثال من اختلاف الرواية عن ابن عباس في تعيين الذبيح فقد رجعت إلى ابن جرير في تفسيره، فوجدته قد ذكر عن ابن عباس هاتين الروايتين المختلفتين، وساق كل رواية منهما بأسانيد تتصل إلى ابن عباس، بعضها يرفعه إلى الرسول ، وبعضها موقوف عليه.

وابن جرير - كما نعلم - لم يلتزم الصحة في كل ما يرويه، ولو أننا عرضنا هاتين الروايتين على قواعد المحدثين في نقد الرواية والترجيح لتبين لنا - بكل وضوح وجلاء - أن الرواية القائلة بأن الذبيح هو إسماعيل أصح من غيرها وأرجح مما يخالفها، لأنها مؤيدة بأدلة كثيرة، يطول ذكرها، وأيضا فإن الرواية التي يذكرها ابن جرير عن ابن عباس مرفوعة إلى رسول الله ، ومفيدة أن الذبيح هو إسحاق في سندها الحسن بن دينار عن على بن زيد، والحسن بن دينار متروك، وعلي بن زيد منكر الحديث كما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره.

أما باقي الروايات الموقوفة على ابن عباس والتي تفيد أن الذبيح هو إسحاق فهي - وإن كانت صحيحة الأسانيد - محمولة على أن ما تضمنته من أن الذبيح هو إسحاق كان رأي ابن عباس في أول الأمر، لأنه سمع ذلك من بعض الصحابة الذين كانوا يحدثون في مثل هذا بما سمعوه من كعب وغيره

<<  <  ج: ص:  >  >>