للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

* قالوا: غير أنا لما لم نعلم مقادير الطَّاعات التي تفضي إلى ما هو حسن، وتنهى عما هو قبيح: جاء الشرع بمقادير ذلك وتفاصيله، فرجعنا إليه.

ولو كنا نعلم ذلك بعقولنا، ونستقل بمعرفتها بأنفسنا، لكنَّا نعقل وجوبها، ونُدرك بمجرد العقل، ولم نحتج إلى شرع (١).

ثُمَّ إِنَّ هؤلاء اختلفوا فيما يُعلم حسنه وقبحه:

* فمنهم من قال: الحسن والقبيح صِفَتا نفس للحسن والقبيح؛ فالقبيح قبيح بجنسه، وصفة نفسيَّة؛ والحسن حسن لجنسه، وصفة هو في نفسه عليها.

* ومنهم من قال: الحسن حسن لنفسه وذاته؛ فأما القبيح ليس قبيحاً بصفة نفسه.

* ومنهم من عكس، وقال: القبيح قبيح لنفسه، والحسن ليس حسنًا لصفة نفسه.


(١) نقل السيوطي عن الكيا في هذا الموضع كلاما ليس عندنا، فقال ما نصه: «وأما نحن فنقول: لا يجب شيء قبل مجيء الرسول، فإذا ظهر وأقام المعجزة تمكن العاقل من النظر، فنقول: لا يعلم أول الواجبات إلا بالسمع، فإذا جاء الرسول وجب عليه النظر.
وعند هذا يسأل المستطرفون: ما الواجب الذي هو طاعة وليس بقربة؟
وجوابه: أن النظر الذي هو أول الواجبات طاعة وليس بقربة؛ لأنه ينظر للمعرفة، فهو مطيع وليس بمتقرب؛ لأنه إنما يتقرب إلى من يعرفه.
قال: وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئا حسنا، فقال: قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق؛ إذ ما من خاطر يعرض له إلا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه، فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة، فيجب التوقف إلى أن تنكشف الغمة، وليس ذلك إلا بمجيء الرسول، وهاهنا قال الأستاذ أبو إسحاق: إن قول "لا أدري" نصف العلم، ومعناه: أنه انتهى علمي إلى حد وقف عند مجازه العقل، وهذا إنَّما يقوله من دقق في العلم، وعرف مجاري العقل مما لا يجري فيه ويقف عنده، انتهى». «مسالك الحنفا» (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠).

<<  <   >  >>