وليس بين ذمة وذمة مع اعتبارنا الملاءة بأوفى ما بين خصومة أَلدّ، وخصومةِ قطيعٍ، ولعل الخصم يكون قطعياً ذا فهاهة، والوكيل ذا خصام وخبرة وفصاحة، فإذا لم يؤثر الاختلاف هناك كذلك هاهنا، يوضح هذا أن الخصومة حق توجه عليه، كما أن قضاء الدين حق يوجبه عليه، فإذا ملك صرف الخصومة إلى غيره ملك صرف القضاء إلى غيره.
طريقة أخرى: أن الحوالة توجب تعلق الحق بذمة من عليه الحق، فلا يعتبر رضا الطالب في صحة ذلك كالضمان؛ فإنه لو ضمن عن غيره حقّاً صحَّ، وإن لم يرضَ بذلك المضمون له كذلك الحوالة.
فإن قيل: الضمان توسعة لصاحب الحق؛ لأنه يتخير في المطالبة بين الضامن والمضمون منه، فيصير محل الحق موسعاً، ولا ينقل الحق من ذمة من هو عليه، وهذا يزيله من ذمة من عليه بتعين المحل من غير توسعة، والذمة الأولى حصل بها الرضا، وهذه لم يحصل بها رضاه، وهي مختلفة جدّاً.
قلنا: فكان يجب إذا كان المحال عليه أخلى ذمة أن يلزم الحوالة لإرضاء المحتال، كما أن إعطاء الأجود في السلم، والقرض يلزمه قبوله، وكما إذا استأجر أرضاً لزراعة الحنطة فزرع الشعير، أو استأجر دابة لحمل دارة حنطة فحمّلها دارة من الشعير، لما كان ذلك أجود للمؤجر في أرضه ودابته لم يعتبر/ رضاه، ولم يتعين على المستأجر زراعة الحنطة ولا حملها لما كان السَّطْر (١) يقع للمؤجر، فهما كذلك، يلزمك إذا كانت ذمة المحال عليه مليئة مكافئة ذمة المحيل، أو أملأ منها يجب أن يلزم، ولا يعتبر رضا المحتال كما لا يعتبر رضا المؤجر، والمسلم في باب الأجود في السلم، وباب الأقل ضرراً في الإجارة؛ ولأنها إحالة بحقه على مليء، فانقطعت مطالبته، كما لو أحاله على من رضي بذمته.
والمعتمد في المسألة أن يقول: عقد الحوالة جائز بالإجماع، بدليل أنه إذا رضي به المحتال يجوز، وإذا لم يرضَ لا يبطل؛ لأنه بترك الرضا متغيب؛ والتغيب مردود في الشرع.