للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقد نص إمامكم أحمد على منع الإمام من الهدنة على مالٍ يصرفه إلى أهل الشرك (١)، فبطل جواز دفع على وجه التألف.

الجواب:

أما الأخبار فلا تعطي منع إعطائها للكافر على وجه التألف والأصلح، بل تعطي أنها تعطى فقراء المسلمين فقط، ولعلَّ عمر أراد أننا لا نعطي مع الغنى عن التألف، ولعل ذلك الكافر كان ممن لا يحصل به الغنى، وأنه لم يكن في إعطائه مصلحة.

وأما الفقه فنقول: إنّ الدفع على وجه التألف يعود إلى مصالح المسلمين، وحاجتهم الكلية، وهي دفع الشر عنهم، فهي كالحاجة الخاصة، وهي دفع الفاقة، وسد الخلة، وفارق الأصل؛ لأن من لا يبال فلا حاجة بنا إلى الدفع إليه، فيكون إعطاؤه تضييعاً للمال.

/ وقولهم: إنّ الله قد أعز الإسلام، فلا حاجة.

قلنا: إلا أنه مع الحال المذكورة قد تتفق حاجة تخص، كما نحتاج في بعض الأوقات إلى الهدنة، والكف عن الجهاد، وإن كان الجهاد من أحد قوانين الإسلام، ولذلك يجوز أن نَرْضَخ للعبد، والكافر، والمرأة إذا قاتلوا معنا، بأن تدعو الحاجة إلى التكثر بهم، ونجعل بعض المال لمن يفتح الحصن من داخل، وإن كان من آحاد المشركين، أو نجعل لمن يدله على القلعة الفلانية، أو يدله على البرج الواهي من الحصن لنحصبه برمي حجر المنجنيق، فيعطى من مال الله في هذه الأمور لأهل الكفر لأجل نفع المسلمين، وإعزاز كلمة الله، وإن كان في الرجال الأحرار المسلمين غناءٌ عن هؤلاء في غالب الأحوال، ولمَّا دعت الحاجة النادرة أعطيناها حقها، وكذلك الغني الكثير ماله وضياعه في بلده إذا دفعته الغربة إلى بلدٍ فاحتاج جاز دفع الزكاة إليه؛ نظراً إلى حاله العارضة، ولا نمنعه الزكاة لأجل حاله، كذلك الإسلام كالشخص.


(١) ينظر: المغني ٩/ ٢٩٧.

<<  <   >  >>