وأما قولهم: إنه لا يجوز دفع المال إليهم على سبيل الهدنة.
قلنا: لا نسلم؛ بل يجوز إذا لم يندفع الشر عن المسلمين إلا بالمال، ولم ينجلب النفع إلا به، جاز بذله، وكذلك إذا علم أن واحداً منهم قادرٌ على فتح قلعةٍ أو حصنٍ جاز له أن يضمن له شيئاً من المال.
والأصل في ذلك من السنة: ما روي أن الحارث بن عمرو الغطفاني قال للنبي ـ صلَّى الله عليه ـ: اجعل لي شطر ثمار المدينة ـ أو قال: إن جعلت لي شطر ثمار المدينة ـ وإلا ملأتها عليك خيلاً ورجلاً، فقال:«أشاور السعود» يعني:/ سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة (١)، وأسعد بن زرارة (٢)(٣).
فالنبي ـ صلَّى الله عليه ـ عزم على البذل بحسب الأصلح، وجعل ذلك موقوفاً على مشاورة رؤوس المدينة، وأرباب النخيل، والأعلم بمصالح المدينة، ولهذا قال في أمر اللقاح:«أنتم أعلم بأمر دنياكم، وأنا أعلم بأمر دينكم»(٤).
وما ذكر عن الإمام أحمد، فهو محمولٌ على ما إذا لم تكن إلى ذلك حاجة داعية، والله أعلم.
(١) سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام بن حزيمة، الأنصاري، الساعدي، الخزرجي، سيد الخزرج، شهد سعد العقبة، واختلف في شهوده بدراً، وكان مشهوراً بالجود، سيداً في الأنصار مقدماً وجيهاً، له رياسة وسيادة، يعترف قومه له بها، وهو صاحب راية الأنصار في المشاهد كلها. مات سنة ١٥ هـ. [ينظر: الاستيعاب ٢/ ٥٩٤، أسد الغابة ٢/ ٢٠٤]. (٢) أسعد بن زرارة بن عدس بن عبيد بن ثعلبة، أبو أمامة، الأنصاري، الخزرجي، النجاري، غلبت عليه كنيته واشتهر بها، قديم الإسلام، شهد العقبتين، يقال: إنه أول من بايع ليلة العقبة، وأول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأول ميت صلى عليه النبي ﷺ. [ينظر: الاستيعاب ١/ ٨٠، أسد الغابة ١/ ٨٦]. (٣) ذكره ابن قدامة في المغني ٩/ ٢٩٨. (٤) أخرجه مسلم، كتاب الفضائل ٤/ ١٨٣٦، ح ٢٣٦٣ من حديث عائشة، وأنس، أن النبي ﷺ مرّ بقوم يلقحون، فقال: «لو لم تفعلوا لصلح» قال: فخرج شيصاً، فمرّ بهم فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».