وأما حكم الجائفة فلا يثبت، وليس عن إمامنا ﵁ ما يضاد ذلك، ومن سلّم ذلك فإن الجائفة تثبت لكون الفم أجوف، لا لأنه باطن، فلم يستقم ما ذكروه.
على أنا نقابل بمثله فنقول بأن تغطية الأسنان بالشفتين لو زال فإن انكشف عظم السن بالخرم فإنه إذا صار أخرم لا يكون كشف السن بخرم الشفة إيضاحاً (١)، والإيضاح من حكم الرأس، وينحصر بعظم الرأس، ثم لا يجعل ذلك إيضاحاً، فلما لم يكن العظم بكشفه موضحة لم يكن له حكم الباطن، وإذا لم يكن للعظم وهو أبعد عن الباطن من الفم، لا يكون له حكم الباطن فيما وراءه؛ لأن الشفتين للأسنان كالشدقين (٢) للفم في حصول الستر، فإذا تعلقتم بأن وصول الجراحة إلى ما وراء الشدق يكون جائفة فدل على أنه جوف، استدللنا على أن كشف السن لا يكون موضحة فلا يكون الفم باطناً، فتقابلا وبقي الترجيح معنا بما ذكرنا.
فإن قيل: فيلزم على ما ذكرتم داخل العين يجب غسله من النجاسة، ولا يُحدُّ بحصول الخمر فيه، ولا يفطر بحصول الماء فيه، ثم هو في حكم الباطن لا يجب غسله في الوضوء، وكذلك باطن اللحية.
قلنا: قد روى أبو بكر المروذي (٣) عن أحمد ما يدل على وجوب
(١) الموضحة: الشجة التي بلغت العظم فأوضحت عنه، وقيل: هي التي تقشر الجلدة التي بين اللحم والعظم أو تشقها حتى يبدو وضح العظم. [ينظر: تهذيب اللغة ٢/ ١٠٢، المحكم والمحيط الأعظم ٣/ ٤٧٤]. (٢) الشِدق: جانب الفم، وهو لحم باطن الخدين من جانبي الفم. [ينظر: جمهرة اللغة ٢/ ٦٥٢، الصحاح ٤/ ١٥٠٠]. (٣) أحمد بن محمد بن الحجاج بن عبد العزيز، أبو بكر، الفقيه، المعروف بـ (المروذي)، أحد الأعلام، وأجل أصحاب الإمام أحمد بن حنبل، كان من كبار علماء بغداد، وكان أبوه خوارزمياً، وكانت أمه مَروَذِيَّة، حمل عن أحمد علماً كثيراً، ولزمه إلى أن مات، وكان المقدم من أصحاب أحمد لورعه وفضله، وكان أحمد يأنس به، وينبسط إليه؛ وهو الذي تولى إغماضه لما مات وتغسيله. وروى عنه مسائل كثيرة، وصنف في الحديث والسنة والفقه، مات سنة ٢٧٥ هـ. [ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ١٠٤، طبقات الحنابلة ١/ ٥٦، تاريخ الإسلام ٦/ ٤٩٤].