وأما الحديث الثاني: فالمعروف خبر أبي هريرة: «من توضأ فليستنشق»(١)، وهو أمر، ولو قدر صحته فالاستنثار غير الاستنشاق؛ لأن النثر هو الامتخاط، والاستنشاق تحصيل الماء في طرف الأنف، والنثر إن فعله فقد أحسن، وإن تركه فلا شيء عليه.
وأما الفقه؛ قولهم: إنه باطن، ممنوع؛ ولهذا لو ترك الإنسان وشؤم طباعه فإن فمه مفتوح، ولهذا إذا نام انفتح فمه، على أنهما قد جُعلا في الشرع في حكم الظاهر بدليل سبعة أشياء:
أحدها: أنه يجب غسلهما من النجاسة.
والثاني: أنه يشرع غسلهما في الوضوء.
والثالث: أنه لا يفطر بحصول الطعام فيهما.
والرابع: أنه لا يحد بحصول الخمر فيهما.
والخامس: أنه لا ينشر حرمة الرضاع بحصول اللبن فيهما في حق الطفل.
السادس: أنه إذا استدعى القيء إليهما أفطر.
السابع: أنه يجب القصاص في العظام من الأسنان، وقصبة الأنف، والقصاص لا مدخل له في العظام الباطنية.
فأما ما تعلَّقوا به من بلع الريق فإن جمعه وبلعه أفطر، وإن جرى على عادته إلى حلقه لم يفطر؛ لأنه لا يمكنه/ الاحتراز من ذلك، وهو فيه أعذر ممن دخل حلقه ذبابة، أو بقة (٢)، أو تراب الطريق، فقد قال أحمد في ازدراد النخامة: إنه يفطر (٣).
(١) تقدم تخريجه. (٢) البقة: البعوضة، وقيل: عظام البعوض، والجمع البق، وقيل: هي دويبة مثل القملة حمراء منتنة الريح، يكون في السرر والجدر، إذا قتلتها شممت لها رائحة اللوز المر. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٤٥١، المحكم والمحيط الأعظم ٦/ ١٤٣،]. (٣) ينظر: الروايتين والوجهين ١/ ٢٥٨.