وربما قالوا: طهارة عن حدث فلم يجب فيها إيصال الطهور إلى الفم والأنف كالتيمم.
أما القاضي أبو زيد (١) فإنه قال (٢): الفم والأنف قد أُعطي لهما حكم الظاهر من وجه بدليل ما قلتم، وقد أعطي لهما حكم الباطن بدليل ما قالوا، فلما أخذا حكم السنة من الحالين جميعاً عملنا بالشبهتين.
فنقول: الطهارة تنقسم إلى عامة، وإلى خاصة، فالعامة هي الغسل، والخاصة هي الوضوء، والكل طهارة شرعية تعبدية، فقلنا: لما كان الغسل طهارة عم وجوبها الأعضاء وجب فيها المضمضة والاستنشاق احتياطاً، وعملاً بالتعميم الذي وضع الغسل فيه، ولهذا يجب غسل ما تحت اللحية الكثيفة، وباقي البدن، وما تحت الخفين من الرجلين لما بيَّنَّاه من كونها طهارة عامة، والوضوء لما كان طهارة خاصة لا يجب فيه غسل كل الأعضاء الظاهرة، وإنما يجب غسل الأعضاء البادية، وكيف يجب فيه غسل ما كان باطناً من وجه! ولهذا اختص الوضوء بالأعضاء التي [تبدو](٣) فضلاً كالوجه واليدين وبعض الرأس والقدمين، فلم يجب غسل الفم والأنف في الوضوء، وقلنا يستحب، ولهذا وجب غسل الفم والأنف من النجاسة؛ لأن إزالة النجاسة طهارة عامة يجب إزالتها عن كل محل.
(١) عبد الله بن عمر بن عيسى، القاضي أبو زيد الدبوسي الفقيه الحنفي، ودبوسية بلدة صغيرة بين بخارى وسمرقند، كان من كبار أصحاب أبي حنيفة، وممن يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج، وهو أول من وضع علم الخلاف وأبرزه إلى الوجود، صنف كتاب تقويم الأدلة، وكتاب الأمد الأقصى، وغير ذلك، وكان شيخ تلك الديار، مات ببخارى سنة ٤٣٠ هـ. [ينظر: وفيات الأعيان ٣/ ٤٨، تاريخ الإسلام ٩/ ٤٧٦]. (٢) لم أقف على كلام القاضي، ولكن وجدت أنّ هذا الرأي عند الحنفيّة. [ينظر: كشف الأسرار ١/ ٥٢]. (٣) ما بين المعكوفين في الأصل: (تبدوا)، والصحيح إملاء ما أثبته.