كما شُرط عليه أن لا يكون على فعل الغائط والبول، وأن لا يكون ساجداً (١)، وكما شُرط أن لا يقرب الصلاة وهو سكران، وكما شُرط عليه أن لا يلبث في المسجد وإن لم يُشرط ذلك في الحدث الأصغر، ومعلوم أن الحدث الأصغر قد حلّ رِجْل المُحدث كما حلّت رِجْلَه الجنابةُ، لكن الشرع لمَّا [علم](٢) أن الحدث الأصغر يكثر لم يمنع من القراءة لئلا ينسى الناس القرآن، أو لا يقدروا على حفظه، لأن الغالب أن أكثر زمان الناس يكون على غير وضوء، بخلاف الجنابة فإنها تندر وتقل، فلا يفضي المنع من القراءة إلى تعذر حفظ القرآن.
ولأنه ـ تعالى ـ قسّم الأحوال في القرآن على ثلاث مراتب؛ فجعل اللمس له لا يجوز إلا بوجود الطهارتين، وجعل النظر إليه يجوز مع عدم الطهارتين، وجعل القراءة جائزة مع عدم إحدى الطهارتين، وهذا لأن اللمس فوق القراءة لأنه مباشرة حسية، والنظر دونها لأنه غير مباشرة، والقراءة بينهما.
وأجود من هذا: أنه لولا السنة لما منعنا الجنب من القراءة، ولهذا لو كان بفِيه نجاسة لم تمنعه وهي أكثر من الحدث، وإنما روي أنه لم يكن يحجز رسول الله ـ صلَّى الله عليه ـ عن/ القراءة شيء عدا الجنابة (٣).
(١) يرى المصنف عدم جواز قراءة القرآن في السجود، فقد أخرج مسلم في الصحيح، كتاب الصلاة، باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود ١/ ٣٤٨، ح ٤٧٩ حدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كشف رسول ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر، فقال: «أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً؛ فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ أن يستجاب لكم». (٢) ما بين المعكوفين في الأصل: (أعلم)، وما أثبته هو الموافق للسياق. (٣) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب ما جاء في قراءة القرآن على غير طهارة ١/ ١٩٥، ح ٥٩٤، وأبو داود، كتاب الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن ١/ ٥٩، ح ٢٢٩، والترمذي، أبواب الطهارة، باب في الرجل يقرأ القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً ١/ ٢٧٣، ح ١٤٦، والنسائي، كتاب الطهارة، باب حجب الجنب من قراءة القرآن ١/ ١٤٤، ح ٢٦٥ من حديث علي، ولفظ الترمذي: كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً. قال الترمذي، والبغوي: حسن صحيح. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد. وقال ابن الملقن: حديث جيد. [ينظر: المستدرك ١/ ٢٥٣، شرح السنة ٢/ ٤٢، البدر المنير ٢/ ٥٥١].