أبو عامر المنصور سياسة الملك إلى أن توفي سنة ٣٩٢ هـ فخلفه ولده عبد الملك بن محمد الملقب بالمظفر، وسار كسيرة أبيه وتوفي سنة ٣٩٩ هـ، فولي بعده أخوه عبد الرحمن بن محمد، ولقب بالناصر فسلك غير طريقهما وأخذ في المجون، وكان المؤيد قد ركن إلى المنصور ثم إلى ابنه المظفر فأقرهما على تدبير المملكة والتزم بيته مستريحا من عنائها ولما رأى حال الناصر كرهه فدس له الناصر جماعة خوفوه منه إن لم يجعله ولي عهده ففعل المؤيد ذلك مرغما وشاع في الناس فحقدوا عليه، ولا سيما بني أمية، وأبغضوه، وغزا الناصر بعد توليته فأوغل في بلاد الجلالقة، وبينما هو راجع بلغة أن محمد بن هشام بن عبد الجبار بن الناصر لدين الله قد ظهر بقرطبة واستولى عليها وأخذ المؤيد أسيرا، وشاع الخبر في عسكر الناصر فتفرقوا عنه ولم يبق معه إلا خاصته فسار إلى قرطبة ليتلافى الخطب فخرج إليه عسكر محمد بن هشام فقتلوه، وحملوا رأسه إلى قرطبة وطافوا به، وذلك سنة ٣٩٩ هـ ثم صلبوه.
وكان محمد بن هشام هذا قد تلقب بالمهدي ودعا الناس إليه لما رأى من ضعف المؤيد وأعلن ذلك ومعه اثنا عشر رجلا فبايعه الناس وملكوه وأخذ المؤيد فحبسه معه في القصر ثم لما قتل الناصر أخرج المؤيد ودعاه أن يعهد إليه ففعل المؤيد ثم أخفاه وأظهر أنه مات، وكان قد مات إنسان نصراني يشبه المؤيد فأبرزه للناس وذكر لهم أنه المؤيد فلم يشكوا في موته، وصلوا عليه ودفنوه في مقابر الخلفاء وبايع الناس ابن عبد الجبار الملقب (بالمهدي) ثم نقموا عليه أشياء منها أنه كان يعمل النبيذ في قصره فسموه نباذا، ومنها بغضه للبربر فضغنوا عليه، ومنها أنه كان متلونا سيئ الأخلاق فانقلبوا عليه.
ولما وقع في قلوب أهل الأندلس من المهدي (ابن عبد الجبار) ما وقع قصدوا هشام بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر فأخرجوه من داره وبايعوه فتلقب (بالرشيد) وذلك في أواخر سنة ٣٩٩ هـ واجتمعوا بظاهر قرطبة فخرج