ويبالغ المعظم في كتمان موت أبيه، حتى يخفيه عن أعز أصدقائه سبط ابن الجوزي، وكان جالسا إلى جانبه في القلعة عند باب الدار التي فيها الإيوان، والمعظم واجم لا يتكلم، فلما تم دفن العادل نهض المعظم، وشق ثيابه، ولطم رأسه ووجهه، حينئذ علم السبط بوفاته (٢).
ويحضر المعظم وكريم الدين أكابر الدولة والأمراء، فيحلفون للعادل وللمعظم معا، حتى إذا أتم المعظم ما أراد أظهر موت أبيه (٣)، وكتب لإخوته بوفاته (٤).
وتختبط دمشق لدى شيوع هذا النبأ، ويضطر المعظم إلى تسكين الناس، فينادي المنادون في الحارات: ترحموا على السلطان العادل، وادعوا لسلطانكم الملك المعظم، أبقاه الله. ويبكي الناس حزنا لوفاته (٥). ويقام له العزاء ثلاثة أيام بالإيوان الشمالي للقلعة.
ويرى سبط ابن الجوزي شدة حزن صديقه المعظم، فيقوم ويتكلم في أول أيام العزاء، محاولا أن يخفف مصابه الأليم بفقد والده. ويتكلم في ذلك اليوم كذلك (٦) الواعظ ناصح الدين عبد الرحمن بن نجم (٧) ابن الحنبلي - وكان يسامي سبط ابن الجوزي في الوعظ (٨) - فيعاتبه المعظم،
(١) مفرج الكروب (٣/ ٢٧٦). وبقي العادل مدفونا في قلعة دمشق نحو أربع سنوات، حتى أتم ابنه المعظم عيسى بناء المدرسة العادلية الكبرى سنة ٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م، وهي في باب البريد، مقابل المدرسة الظاهرية، شمالي غرب الجامع الأموي، فنقل العادل إليها، ودفنه في تربتها. وكان العادل قد شرع في عمارتها سنة ٦١٢ هـ/ ١٢١٥ م. ينظر كتابي: «أبو شامة مؤرخ دمشق في عصر الأيوبيين» (٤٥ - ٤٦)، و «منادمة الأطلال» (١٢٣ - ١٢٦). (٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢). (٣) مفرج الكروب (٣/ ٢٧٦). (٤) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٣٠). (٥) السلوك (ج ١/ ق ١/ ٢٢٦). (٦) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٣٢). (٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤١)، والمذيل على الروضتين (٢/ ٣٦). (٨) ترجم له الإمام الذهبي، وذكر بأنه برع في الوعظ، وكان حلو الإيراد، وله قبول.