ناحية، فضرب بعض الزراقين السلم بالنفط، فأحرقه، وقتل عنده جماعة من أعيانهم، منهم أمير كبير، فلما رأوه مقتولا سقط في أيديهم، فصاحوا وبكوا، وكسروا عليه رماحهم، وتوقفوا عن القتال، فأسرع المسلمون إلى إغلاق باب الحصن (١).
وممن استشهد في ذلك اليوم الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهكاري (٢)، والأمير سيف الدين بن المرزبان، وهما من أكابر الأمراء، ولبدر الدين منزلة رفيعة عند المعظم عيسى، فقد كان يستشيره، ويصدر عن رأيه، ويثق به لصلاحه ودينه (٣).
بعد مقتل هذين الأميرين، جبن بعض المسلمين عن القتال، وباتوا عشية الأربعاء يداوون جراحاتهم، ويتشاور أعيانهم فيما يفعلون، ثم انتهوا إلى الإصرار على مواصلة القتال حتى الموت، ولن يستسلموا، خوفا أن يجري عليهم ما جرى على أهل عكا زمن صلاح الدين بعد استسلامهم للصليبيين (٤).
واستشعر الصليبيون تصميم المسلمين على القتال، فآثروا الانسحاب، فأوقدوا النيران حول الحصن، تغطية لانسحابهم، وانكفؤوا إلى عكا سحر يوم الخميس ٦ رمضان/ ٧ كانون الأول (٥)، بعد حصار دام سبعة عشر يوما (٦)، مصطحبين معهم بعض الأسرى من الأطفال، فعمدهم بطريق بيت المقدس وأسقف عكا (٧).
وبعيد انسحابهم أسرع المعظم عيسى إلى الحصن، فبكى على من قتل، وأطلق المال والخلع، وطيب قلوب الناس (٨).