ويعقد فيه مجالس للوعظ، وممن كان يحضر مجالسه تلك الملك المعظم حين يلم به (١)، والأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم الهكاري؛ وهو من أكابر أمرائه (٢). وصديقه الشيخ الورع عبد الله الأرمني العابد، وكان جوادا سمحا لطيفا، وله مجاهدات ورياضات، وعبادات وسياحات. وكان سبط ابن الجوزي يزوره في زاويته، ومما جرى معه في إحدى زياراته له، ما حدثنا به قائلا:«اتفق أنني يوم عيد الفطر أكلت سمكا مالحا، وصعدت إلى زاويته، وقعدنا نتحدث، فجاءت الشمس علي، وعطشت عطشا شديدا، وإلى جانبه إبريق، فيه ماء بارد، فاستحييت أن أطلبه منه، فاحمر وجهه، ومد يده إلى الإبريق، فقال: اشرب، فكم تكاشر»(٣).
ولعله في القدس تعرف إلى كاتب الإنشاء البليغ عبد الرحيم بن علي ابن شيث، وكان يتولى ديوانها (٤)، وصار بينهما مكاتبات (٥). ويبدو أن صحبته له تعمقت حين قدم إلى دمشق، وصار كاتب السر للملك المعظم (٦). وقد وصفه لنا بقوله:«كأن الله تعالى جمع له الفضل والمروءة، والكرم والفتوة، والإحسان إلى الخلق، ما قصده أحد في شفاعة فرده خائبا، وكان يمشي بنفسه مع الناس في قضاء حوائجهم»(٧).
وفي دمشق يعود سبط ابن الجوزي إلى سيرته وشواغله، حتى إذا كان سحر يوم الأربعاء ١٦ ذي القعدة سنة ٤١٦ هـ/ ١٥ شباط ١٢١٨ م تصحو دمشق على نبأ وفاة عالمها وزاهدها العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن علي المقدسي. وكان قد قضى يوم الثلاثاء صائما، وصلى المغرب في جامع دمشق، وأفطر في داره على شيء يسير، وفي الليل جاءته سكرة الموت،