ويتم الأشرف في أثناء ذلك تجهيز سبط ابن الجوزي إلى الحج، ويعمل له سبيلا مثل سبيله، فيغادر الرقة متوجها إلى بغداد (١)، عارفا بإحسان الأشرف إليه وجميله (٢)، تاركا في نفسه أطيب الأثر. وقد عبر عنه في الأوراق الأخيرة من كتابه «الجليس الصالح» بقوله: «لقد شاهدت من مكارم أخلاقه ما لو أعارتني خطب الزمان ألسنتها في وصف فضائله التي اتصلت اتصال السعود، وانتظمت انتظام العقود، لما كنت إلا عاجزا عن الغرض المقصود»(٣).
وفي طريقه إلى بغداد يأتيه نعي شيخه تاج الدين أبي اليمن الكندي، وأنه توفي يوم الإثنين ٦ شوال سنة ٦١٣ هـ/ ١٦ كانون الثاني ١٢١٧ م، وصلي عليه بجامع دمشق، وحمل إلى قاسيون، فدفن به، ولم يتخلف عن جنازته أحد، وكان قد بلغ من العمر نحو ثلاث وتسعين سنة (٤).
-٣ -
ويرجع سبط ابن الجوزي من الحج في المحرم سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م، سالكا طريق تبوك والعلا، متجها لزيارة القدس الشريف، ومدينة الخليل، حيث مقام أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ، ليجمع كما جرت العادة في ذلك العصر - بين زيارته وزيارة المصطفى، عملا بالحديث الشائع:«من زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد ضمنت له الجنة»(٥)، وهو حديث باطل موضوع (٦)، ومع ذلك رأى العمل به، معللا ذلك بقوله:«وإن لم يتفق على نقل هذا الحديث الثقات، فالأعمال بالنيات»(٧).
وكان منذ إقامته بدمشق دائم التردد إلى القدس كلما سنح له الوقت،
(١) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٧)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦). (٢) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٤٢). (٣) الجليس الصالح (٢٨٢). (٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٢١٠)، والمذيل على الروضتين (١/ ٢٧٥). (٥) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٨). (٦) تنزيه الشريعة (٢/ ١٧٦). (٧) مرآة الزمان (٢٢/ ٢٠٨)، وفي موضع آخر، قال: فيه للمحدثين نظر. ينظر: «مرآة الزمان» (١/ ٤٢٣).