عني، مالي فيك، إنما أنا رجل من المسلمين، ثم سار مختلطًا بين الناس حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع الناس عليه.
فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبيَّ ﷺ، ثم قال: أيُّها النَّاس إِنِّي ابتليْتُ بهذا الأمر من غير رأيٍ منِّي ولا طلبْتُه (١)(ولا شورة)(٢)، وإنِّي قد خلعْتُ ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم غيري، فصاح المسلمون: قد اخترناك يا أمير المؤمنين، ورضيناك أميرنا (٣)(باليُمْن والبركة)(٤).
فلمَّا سكتوا حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلَّى على النبيِّ ﷺ، ثم قال: أوصيكم بتقوى الله، فإنَّ تقوى الله تعالى خَلَفٌ من كلِّ شيء، وليس من تقوى الله خَلَف، وتعلَّموا لآخرتكم، من عمل (٥) لآخرته كفاه الله أمر دنياه وآخرته، وأصلحوا سرائركم يُصلح الله علانيتكم، وأكثروا ذكر الموت، وأحسنوا له الاستعداد قبل أن ينزل بكم، فإنَّه هاذم اللذات وإني والله لا أعطي أحدًا باطلًا، ولا أمنع أحدًا حقًّا.
يا أيها الناس! من أطاع الله وجبَتْ طاعته، ومن عصى الله ﷿ فلا طاعة له، أطيعوني ما أطعت الله، فإن عصيته فلا طاعة لكم.
ثم نزل ودخل دار الخلافة، فأمر بالستور فهتكت، وبالبسط فرفعت، وأمر ببيع ذلك، وإدخال أثمانها في بيت مال المسلمين، ثم ذهب يتبوأ مقيلًا، فأتاه ابنه عبد الملك، فقال: ما تريد أن تصنع يا أبت؟ قال: أقيل يا بُني، قال: تقيل ولا تردُّ المظالم؟!