تنكرت المعارف في عياني … وتمييزي غدا في سوء حال
وما عوضت من بدل وعطف … سوى توكيد سقمي واعتلال
وكم جنت المنون على كرام … وجند لت الكمي بلا قتال
يا قبرا ثوى فيه تهنى … فقد حزت الجميل مع الجمال
سقاه الله عينا سلسبيلا … واسبغ ما عليه من الظلال (١)
واستمر السلطان الملك الظاهر جقمق على سرير ملكه حتى حصل له ضعف في جسده، فاستمر على ذلك مدة، ثم تزايد به المرض، ولزم الفراش، فعند ذلك طلب الخليفة والقضاة الأربعة، وخلع نفسه من الملك، وعهد إلى ولده المقر الفخري عثمان.
فلما كان ليلة الثلاثاء رابع شهر صفر سنة سبع وخمسين وثمانمائة توفي السلطان الملك الظاهر جقمق، ودفن في تربة الأمير جركس القاسمي المصارع التي جددها الأمير قانباي الجركسي، وهي بالقرب من دار الضيافة، ومات الملك الظاهر جقمق وله من العمر نحو ثمانين سنة (٢).
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ويومان، وعاش بعد خلعه من السلطنة اثنى عشر يوما.
وكان ملكا دينا خيرا كريما، متواضعا، عنده حلم ولين جانب، محبا للعلماء والصلحاء ويقوم لهم إذا دخلوا عليه، وكان يحب الأيتام ويكتب لهم الجوامك، ولا يخرج إقطاع من له ولد ذكر، وكانت الدنيا في أيامه هادئة من الفتن والتجاريد، وكان يحسن إلى أكابر التركمان ويعطيهم العطايا الجزيلة، فكانت بلاد الشرق في أيامه عراق.
وكان صفته غليظ الجسم، معتدل القامة، مستدير اللحية، ذري اللون، وكان يميل إلى النساء الحسان، وله عدة سراري، وكان عفيفا عن الزنا واللواط، وكان فصيح اللسان بالعربية متفقها، وله مسائل في الفقة عويصة.
وكان يقع منه في بعض الأحيان غلطات كثيرة، ونواقص عظيمة، وأخراق في حق العلماء والفقهاء، منها: أنه سجن قاضي القضاة ولي الدين [١/ ٢٠٠].
(١) بحر الوافر؛ وقد أورد ابن إياس أبياتا أخرى غير هذه الأبيات في بدائع الزهور. (انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٢) في بدائع الزهور ٢/ ٢٢٩: "ومات وله من العمر نحو من إحدى وثمانين سنة".