مولده في سنة ست وثمانين وستمائة، ووفاته في سنة ثمان وستين وسبعمائة، فكانت مدة حياته اثنتين وثمانين سنة، ومن شعره لنفسه، وهو قوله:
أصغ لما قال أخو وقتكم … وخل عنك اليوم ما قيلا
واسمع مقاطيعا له أطربت … ولا تقل إلا مواصيلا (١)
ثم دخلت سنة تسع وستين وسبعمائة، فيها: جاء الفرنج إلى مدينة إياس، وحاصروا قلعتها، وكان الفرنج في مائة (٢) قطعة من المراكب الحربية، فخرج إليهم الأمير منكلى بغا الشمسي نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية، فلما سمعوا الفرنج بقدوم نائب حلب رحلوا من قلعة إياس، وتوجهوا إلى طرابلس، وكانوا ثلاثة ملوك من ملوك الفرنج: صاحب قبرس، و صاحب رودس، وصاحب الأسيتار (٣).
وكان نائب طرابلس غائبا عن المدينة فأغتنموا الفرنج هذه الغفلة، ونزلوا إلى ساحل طرابلس، فخرج إليهم بعض عسكر، فاتقعوا معهم فانكسروا عسكر طرابلس، ودخل الفرنج إلى البلد، ونهبوا أسواقها، وقتلوا بها جماعة من المسلمين نحو أربعين رجلا، ثم تسامعوا بذلك أهل البلاد فتحابوا وجاءوا إلى طرابلس، واتقعوا مع الفرنج وقعة عظيمة فقتل من الفرنج نحو ألف فارس، وانكسروا ورجعوا إلى بلادهم خائبين.
وفي أواخر هذه السنة: هجم الوباء على الديار المصرية، وأقام نحو أربعة أشهر، فكان يخرج من أبواب القاهرة في كل يوم "عشرة آلاف"(٤) جنازة، فكان الأمر كما قال القائل:
(١) بحر السريع؛ البيتان في: مطالع البدور ومنازل السرور، ص ٢٣٥. خزانة الأدب ٢/ ١٣٥. ولم يرد ذكرهما في بدائع الزهور. (٢) في بدائع الزهور لم يأت ذكر عدد القطع التي اتجهت نحو قلعة إياس، وفي السلوك ٣/ ١٥٠/ ١ "مائة قطعة". (٣) الخبر في بدائع الزهور ١/ ٦٥/ ٢: أن الفرنج دخلوا مدينة طرابلس ثم توجه إلى قلعة إياس بعكس ما ورد هنا. (٤) "اثنتي عشرة ألف" في بدائع الزهور ١/ ٢/ ٦٦؛ وفي السلوك ٣/ ١/ ١٦٢: "فمات في كل يوم ما ينيف على مائة ألف نفس"؛ وهذا الرقم مبالغ فيه. وفي النجوم الزاهرة ١١/ ٥٢: "بلغت عدة الموتى في اليوم أكثر من ألف نفس وأقام نحو الأربعة أشهر وارتفع".