وفيها في مستهل ربيع الآخر عدى السلطان الملك الأشرف شعبان إلى بر الجيزة، ثم فضل التوجه إلى البحيرة ليتصيد هناك، وصحبته الأتابكي يلبغا العمري وبقية الأمراء، فلما عدى السلطان، كان يوما مشهودا في القصف والفرجة، وذلك أن الأغربة الذي عمرهم الأتابكي يلبغا أعرضهم على السلطان في ذلك اليوم وهم قد اشحنوا بالسلاح وآلة الحرب والنفط والطبول والزمور ولعبوا بها في البحر قدام السلطان الملك الأشرف شعبان ذهابا وإيابا وكان يوما لم ير مثله.
ثم إن السلطان عدى إلى بر الجيزة وتوجه إلى الطرانة فأقام بها، فوقع هناك بين الأتابكي يلبغا العمري وبين مماليك فأنه قد صار يضرب بعضهم بالمقارع وقطع أنف بعضهم ويوسط بعضهم فعند ذلك نفرت منه قلوب مماليكه واختاروا قتله (١).
فلما كان ليلة الأربعاء سادس ربيع الآخر ركبوا مماليك يلبغا وكبسوا على أستاذهم وهو في الخيام، فلما أحس (٢) بهم ركب فرس النوبة وهرب تحت الليل، وتوجه إلى انبابه، وعدى من هناك، وتوجه إلى بيته الذي في الكبش.
وطلب الأمراء الذين كانوا بالقاهرة، وأرسل منع المراكب أن لا يعدوا بأحد من العسكر إلى بر مصر، واجتمع عنده من الأمراء المقدمين الأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب وكان أستاداره، والأمير أينبك البدري وكان أمير آخوره، وأقبغا جركس أمير سلاحه، وغير هؤلاء جماعة من الأمراء هذا ما كان من أمر يلبغا.
وأما ما كان من أمر مماليكه فأنهم لما علموا بهروبه اجتمعوا كلهم، وجاءوا إلى السلطان الملك الأشرف شعبان، وقالوا له:"إن لم تركب معنا، وإلا قتلناك"، فركب صحبتهم إلى أن وصلوا إلى ساحل انبابه، فأقام السلطان هناك من يوم الأربعاء إلى يوم الخميس.
ثم إن يلبغا طلع إلى القلعة وأخرج سيدي أنوك أخو الملك الأشرف شعبان من دور الحرم، وسلطنه، ولقبه بالملك المنصور، وذلك في يوم الجمعة، فركب وصحبته سيدي انوك، وجماعة من الأمراء، وتوجهوا إلى نحو الجزيرة الوسطى.
(١) الخبر هنا جاء مضطربا من ابن إياس وللتوضيح. انظر: بدائع الزهور ١/ ٢/ ٤٥. (٢) في الأصل "أحسن".