وَقَالَ فِي الإِيمَانِ: «وَتُؤْمِنَ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالمِيزَانِ»، وَقَالَ فِيهِ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَنَا مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَقَالَ فِي آخِرِهِ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُم لِيُعَلِّمَكُم أَمْرَ دِينِكُم، خُذُوا عَنْهُ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا اشْتَبَهَ عَلَيَّ مُنْذُ أَتَانِي قَبْلَ مَرَّتِي» (١).
- قَولُهُ: (يَا مُحَمَّدُ): وَلَمْ يَقُلْ: يَا رَسُولَ اللهِ لِيُفْهَمَ أَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ، وَالغَايَةُ مِنْهُ وُضُوحُ البَيَانِ لِعُمُومِ النَّاسِ. وَاللهُ أَعْلَمُ.
- قَولُهُ: «أَنْ تَشْهَدَ»: الشَّهَادَةُ مَعْنَاهَا: أُقرُّ بِقَلْبِي نَاطِقًا بِلِسَانِي، فَلَا يَكْفِي اللِّسَانُ وَحْدَهُ! بَلْ لَا بُدَّ مِنَ اللِّسَانِ وَالقَلْبِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزُخْرُف: ٨٦].
قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: "لَكِن مَنْ شَهِدَ بِالحَقِّ عَلَى بَصِيرَةٍ وَعِلْمٍ؛ فَإِنَّهُ تَنْفَعُ شَفَاعَتُهُ عِنْدَهُ بِإِذْنِهِ لَهُ" (٢).
قَالَ الشَّيخُ ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
"وَعِبَارَاتُ السَّلَفِ فِي (شَهِدَ) -تَدُورُ عَلَى الحُكْمِ وَالقَضَاءِ وَالإِعْلَامِ وَالبَيَانِ وَالإِخْبَارِ، وَهَذِهِ الأَقْوَالُ كُلُّهَا حَقٌّ لَا تَنَافِيَ بَينَهَا، فَإِنَّ الشَّهَادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلَامَ الشَّاهِدِ وَخَبَرَهُ، وَتَتَضَمَّنُ إِعْلَامَهُ وَإِخْبَارَهُ وَبَيَانَهُ. فَلَهَا أَرْبَعُ مَرَاتِبَ:
فَأَوَّلُ مَرَاتِبِهَا: عِلْمٌ وَمَعْرِفَةٌ وَاعْتِقَادٌ لِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ وَثُبُوتِهِ.
وَثَانِيهَا: تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ -وَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيرَهُ- بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهَا مَعَ نَفْسِهِ، وَيَتَذَكَّرُهَا، وَيَنْطِقُ بِهَا أَو يَكْتُبُهَا.
وَثَالِثُهَا: أَنْ يُعْلِمَ غَيرَهُ بِمَا يَشْهَدُ بِهِ، وَيُخْبِرَهُ بِهِ، وَيُبَيِّنَهُ لَهُ.
(١) صَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ (١٧٣). وَانْظُرْ كِتَابَ (جَامِعُ العُلومِ وَالحِكَمِ) (١/ ٧٥).(٢) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِير (٧/ ٢٤٣).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute