مِنْ الْأَكْوَانِ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ الْحُسْنَى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى فَهُمْ أَقْوَامٌ فَهِمُوا عَنْ اللَّهِ وَطَرَحُوا مَا سِوَى اللَّهِ وَسَارُوا إلَى اللَّهِ خَرَقَتْ الْحُجُبَ كُلَّهَا أَنْوَارُهُمْ وَجَالَتْ حَوْلَ سُرَادِقِ الْعَرْشِ أَسْرَارُهُمْ أَجْسَادٌ رُوحَانِيُّونَ وَأَجْسَادٌ رَبَّانِيُّونَ وَأَرْضِيُّونَ سَمَاوِيُّونَ غُيَّبٌ حُضَّارٌ مُلُوكٌ تَحْتَ أَطْمَارٍ
لِلَّهِ تَحْتَ قِبَابِ الْعِزِّ طَائِفَةٌ ... أَخْفَاهُمْ فِي رِدَاءِ الْعِزِّ إجْلَالًا
هُمْ السَّلَاطِينُ فِي أَطْمَارِ مَسْكَنَةٍ ... جَرُّوا عَلَى فَلَكِ الْخَضْرَاءِ أَذْيَالًا
غُبْرٌ مُلَابِسُهُمْ شَمٌّ مَعَاطِسُهُمْ ... اسْتَعْبَدُوا مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ أَقْيَالًا
قُلُوبُهُمْ عَرْشِيَّةٌ وَأَبْدَانُهُمْ عَنْ الْخَلْقِ وَحْشِيَّةٌ أَرْوَاحُهُمْ فِي الْمَلَكُوتِ طَيَّارَةٌ وَأَشْبَاحُهُمْ فِي الْمُلْكِ سَيَّارَةٌ - {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: ٢٦] وَ {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: ٦١] (وَالْحَقِيقَةُ) هِيَ عِنْدَهُمْ الْمَقْصُودُ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِمُشَاهَدَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالْتِزَامِ الشَّرَائِعِ الْحَقِيَةِ وَاهْتِمَامِ دَقَائِقِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ إلَى أَنْ يَسْتَغْرِقَ فِي بَحْرِ التَّوْحِيدِ وَالْعُرْفَانِ بِحَيْثُ تَضْمَحِلُّ ذَاتُهُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتُهُ فِي صِفَاتِهِ وَيَغِيبُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ وَلَا يَرَى فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهَ تَعَالَى وَهَذَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ الْحَدِيثُ الْإِلَهِيُّ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزَالُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي بِهِ يَسْمَعُ وَبَصَرَهُ الَّذِي بِهِ يُبْصِرُ وَحِينَئِذٍ رُبَّمَا تَصْدُرُ عَنْهُ عِبَارَاتٌ تُشْعِرُ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ لِقُصُورِ الْعِبَارَةِ عَنْ بَيَانِ تِلْكَ الْحَالِ وَتَعَذُّرِ الْكَشْفِ عَنْهَا بِالْمَقَالِ وَنَحْنُ عَلَى سَاحِلِ بَحْرِ التَّمَنِّي نَغْتَرِفُ مِنْ بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَنَعْتَرِفُ بِأَنَّ الطَّرِيقَ فِي الْعِيَانِ دُونَ الْبُرْهَانِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
كَذَا فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ لِلْمُحَقِّقِ التَّفْتَازَانِيِّ ثُمَّ إنَّ لَهُمْ اصْطِلَاحَاتٍ وَفُرُوقًا بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ لَا يَتَحَمَّلُهَا الْمَقَامُ
(جُنَيْدٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْجُنَيْدُ (الْبَغْدَادِيُّ) أَصْلُهُ مِنْ نَهَاوَنْدَ وَمَنْشَأُهُ وَمَوْلِدُهُ الْعِرَاقُ وَأَبُوهُ بَيَّاعُ الزُّجَاجِ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ وَكَانَ فَقِيهًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي ثَوْرٍ أَخَذَ الطَّرِيقَ مِنْ خَالِهِ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ وَهُوَ عَنْ الْكَرْخِيِّ عَنْ دَاوُد الطَّائِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ كَذَا فِي الرِّسَالَةِ الْقُشَيْرِيَّة (عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْهَادِي) الدُّعَاءُ بِالرَّحْمَةِ هُوَ الْأَدَبُ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَشَايِخِ (الطُّرُقُ) أَيْ السُّبُلُ الْمُوصِلَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ (كُلُّهَا مَسْدُودَةٌ) أَيْ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ يُرِيدُ السُّلُوكَ وَالْوُصُولَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِوُفُورِ الْحُجُبِ وَكُثُورِ الْمَوَانِعِ (إلَّا عَلَى مَنْ اقْتَفَى) أَيْ مَنْ اتَّبَعَ (أَثَرَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بِأَنْ سَارَ كَسَيْرِهِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ وَالْعَمَلِيَّاتِ وَالْعَادِيَّاتِ، فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ مَسْدُودَةً بَلْ تَكُونُ مَفْتُوحَةً مُوصِلَةً إلَى جَانِبِ الْقُدْسِ.
(وَقَالَ) أَيْضًا (مَنْ لَمْ يَحْفَظْ الْقُرْآنَ) أَيْ لَمْ يَرْعَ حُدُودَهُ وَلَمْ يَلْتَزِمْ أَحْكَامَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَالْقَوْلُ أَيْ مَعَ التَّأَمُّلِ فِي مَعَانِيهِ وَالتَّفَكُّرِ فِيهِ لَا يَخْلُو عَنْ قُصُورٍ نَعَمْ لَوْ أُرِيدَ مَا يَعُمُّ تِلَاوَتَهُ وَإِتْيَانَ أَحْكَامِهِ لَكَانَ أَكْثَرَ فَائِدَةً (وَلَمْ يَكْتُبْ الْحَدِيثَ) وَلَمْ يَجْمَعْ مَحَاوِيَهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَيْ وَلَمْ يَجْمَعْ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْحَدِيثِ أَيْ مُطْلَقَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْفَرْضُ اللَّازِمُ فِعْلُهُ (لَا يُقْتَدَى بِهِ) ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَكُونُ عَلَى كِتَابٍ وَسُنَّةٍ فَلَيْسَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَأَنَّ هَذَا} [الأنعام: ١٥٣] أَيْ مَا فِيهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ - {صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام: ١٥٣]- الْآيَةُ (فِي هَذَا الْأَمْرِ) أَيْ الْوُصُولِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قِيلَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلِاقْتِدَاءِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَكِنْ لَا يَكُونُ بَاطِلًا فِي نَفْسِهِ لِجَوَازِ فَيْضِهِ تَعَالَى لِجَاهِلٍ أُمِّيٍّ مَحْضٍ بِالتَّجَلِّيَاتِ وَالْمُكَاشَفَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَكَلَّمُ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ إلَى أَنْ تَتَحَيَّرَ بِهِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.