قوله:(بِدَيْنٍ لازِمٍ، أَوْ آيِلٍ، لا كِتَابَةٍ بَلْ كَجُعْلٍ) الأَظْهَر فِي باء (بدين) السببية والعامل فِيهَا صحّ أو فاعله؛ عَلَى ما تقدم فِي قوله:(وبالموسر).
فإن قلت: لو قال بدينٍ لازمٍ أو آيل كجعل لا كتابة؛ لكان أحسن.
قلت: بل ترتيبه أحسن؛ لعطفه دائن عَلَى كجعل إذ هما معاً آيلان، واقتضى حسن الإلقاء أن لا يقدمهما لطول التفريع فِي الثانية منهما، وفِي بعض النسخ:(لا كتابة، بل بمعجّل كجعل)، والمعنى عَلَى هذا: لا يجوز الضمان بكتابة بل إنما يجوز بعوض عتق معجّل (١) كما يجوز بالجعل، فهو كقوله فِي " المدونة ": ولا تجوز الكفالة بكتابة المكاتب، وأما من عجّل عتق عبده عَلَى مال جازت الكفالة بذلك، وكذلك من قال لرجلٍ: عجّل عتق مكاتبك وأنا بما فِي كتابته كفيل، جَازَ وله الرجوع بذلك عَلَى المكاتب (٢).
وأما الجعل فلم يوقف فِي عينه عَلَى رواية فِي " المدونة "[٨٨ / أ] ولا غيرها، ولكن نصّ المازري عَلَى جواز الضمان فِيهِ، ولله درّ المصنف حيث لَمْ يزر به نقل ابن شاس وأتباعه فِي ذلك؛ وذلك أن ابن شاس قال: لا يجوز ضمان الجعل إِلا بعد العمل، وتبعه ابن الحاجب (٣)، وقرره ابن راشد القفصي، وكذلك ابن عبد السلام قائلاً: لأن الجعالة قبل العمل ليست بعقدٍ منبرم فأشبهت الكتابة.
ولم يقنع حَتَّى زاد فِي جواز الحمالة بما بعد العمل نظر؛ لأن الخيار للعامل بعد العمل فقال فِي " التوضيح ": فِي هذا نظر أما أولا فإنه وإن لَمْ يكن ديناً لازماً فِي الحال فسيلزم فهو آيل إلى اللازم، وأما ثانياً فهو خلاف قول المازري: " ومن الحقوق المالية ما ليس بعقدٍ
(١) في (ن ٣): (مؤجل). (٢) النص أعلاه لتهذيب المدونة، للبراذعي: ٤/ ٢٩، وانظر: المدونة، لابن القاسم: ١٣/ ٢٧٠، ٢٧١. (٣) انظر: عقد الجواهر الثمينة، لابن شاس: ٢/ ٨١٥. وقال ابن الحاجب: (ولا يصح بالكتابة ولا بالجعل قبل العمل) انظر: جامع الأمهات، لابن الحاجب، ص ٣٩٢.