- المَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: كَيفَ يَسْتَقِيمُ النَّهْيُّ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلمُشْرِكِينَ مَعَ كَونِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِقَومِهِ المُشْرِكِينَ؟
كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ -ضَرَبَهُ قَومُهُ فَأَدْمَوهُ- وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَومِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)) (١)!
الجَوَابُ مِن وَجْهَينِ:
١ - أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الاسْتِغْفَارِ لِلمُشْرِكِينَ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيهِم لَيسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالمَوتِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالدَّلِيلُ تَقْيِيدُ النَّهْي بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وَهَذَا التَّبَيُّنُ يَكُونُ إِذَا مَاتَ عَلَى الكُفْرِ (٢)، أَفَادَهُ الإِمَامُ الطَّبريُّ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٣) (٤)،
(١) البُخَارِيِّ (٣٤٧٧)، وَمُسْلِمٍ (١٧٩٢).(٢) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ فِي التَّفْسِيرِ (٤/ ٢١١) فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾: "لَمَّا مَاتَ. هَذَا ثَابِتٌ عَنْ مُجَاهِدٍ".(٣) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (١٤/ ٥٠٩).(٤) قُلْتُ: وَتَأَمَّلِ القَيدَ فِي قَولِ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التَّوبَة: ٨٤]، وَالشَّاهِدُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ الجَوَابَ عَنْ اسْتِغْفَارِ إِبْرَاهِيمَ ﵊ لِأَبِيهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٤٠ - ٤١]، وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَولِهِ تَعَالَى فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التَّوبَة: ١١٣ - ١١٤]. وَالحَمْدُ للهِ عَلَى تَوفِيقِهِ.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.