فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ﵀: "يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَبَالْعَمَلِ الَّذِي عَمِلُوا وَالمِنْهَاجِ الَّذِي سَلَكُوا؛ وَبِالهُدَى الَّذِي هَدَينَاهُم؛ وَالتَّوفِيقَ الَّذِي وَفَّقْنَاهُم؛ ﴿اقْتَدِهْ﴾ يَا مُحَمَّدُ، أَي: فَاعْمَلْ، وَخُذْ بِهِ وَاسْلُكْهُ؛ فَإِنَّهُ عَمَلٌ للهِ فِيهِ رِضًا، وَمِنْهَاجٌ مَنْ سَلَكَهُ اهْتَدَى" (١).

وَأَيضًا تَأَمَّلْ قَولَ نَبِيِّنَا ﷺ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى ﵊ فِي شَرْحِ قِصَّتِهِ مَعَ الخَضِرِ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى لَوَدِدْنَا لَو صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَينَا مِنْ أَمْرِهِمَا)) (٢).

- قَولُهُ: (دَعْ مَا ادَّعَتهُ النَّصَارَى في نَبِيِّهِمُ (٣) … وَاحْكُمْ بِمَا شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ وَاحْتَكِمِ

وَانْسُبْ إِلَى ذَاتِهِ مَا شِئْتَ مِنْ شَرَفٍ … وَانْسُبْ إلى قَدْرِهِ ما شِئْتَ منْ عِظَمِ) (٤)

التَّعْلِيقُ: قَدْ جَرَى المُؤَلِّفُ في هَذَا البَيتِ -بِزَعْمِهِ- إِلَى الخُلُوصِ مِنَ الشِّرْكِ، حَيثُ ظَنَّ أَنَّ النَّهيَ فِي قَولِهِ: ((لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ)) أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مِثْلِ إِطْرَاءِ النَّصَارَى لِعِيسَى ﵇ فَقَط، يَعْنِي: لَا تُطْرُونِي بِمِثْلِ مَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَم، فَيَكُونُ المَنْهيُّ عَنْهُ هُوَ -فَقَط- أَنْ يُدَّعَى أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ابْنٌ للهِ تَعَالَى، فَالنَّهْيُ عَنِ الإِطْرَاءِ لَيسَ عَلَى عُمُومِهِ!


(١) تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (٣/ ٢٢٩).
(٢) البُخَارِيُّ (١٢٢) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا.
(٣) وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُم هَذَا الشَّطْرَ قَرِينَةً لِصَرْفِ أَيِّ بَيتٍ دَلَّ عَلَى الشِّرْكِ فِي بَاقِي أَبْيَاتِ البُرْدَةِ بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ المَدْلُولِ!!
(٤) وَقَدْ سَبَقَتْ نَفْسُ المَسْأَلَةِ فِي بَابِ (مَا جَاءَ أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ) وَالإِعَادَةُ هُنَا لِلمُنَاسَبَةِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>