والثاني: وهو الأصح المختار أنه يكفر كل الذنوب الصغائر، وتقديره: يغفر ذنوبه كلها إلا الكبائر، قال القاضي عياض ﵀: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة، أو رحمة الله تعالى.
فإن قيل: قد وقع في هذا الحديث هذه الألفاظ، ووقع في الصحيح غيرها مما في معناها، فإذا كفَّر الوضوء، فماذا تكفره الصلاة؟ وإذا كفرت الصلوات، فماذا تكفره الجمعات ورمضان؟ وكذا صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة (١)، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢).
فالجواب: ما أجاب به العلماء؛ أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتبت به حسنات ورفعت له به درجات، وذلك كصلوات الأنبياء والصالحين والصبيان وصيامهم ووضوئهم وغير ذلك من عباداتهم، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغائر، رجونا أن تخفف من الكبائر. وقد قال أبو بكر في الأشراف في آخر كتاب الاعتكاف في باب التماس ليلة القدر في قوله ﷺ:«من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»(٣)، قال هذا قول عام يرجى لمن قامها إيمانًا واحتسابًا أن تغفر له جميع ذنوبه صغيرها وكبيرها).