القول، فكأنه قيل: أقول: لا تشركوا به شيئا، وتنصب «إحسانا» فى هذا الوجه على المصدر، والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا.
فإن قيل: إن «أحسن» إنما يتعدّى بإلى كما قال تعالى: {وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ}(١) قيل: إنه قد يعدّى أيضا بالباء، كما جاء فى التنزيل:{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ}(٢) وكذلك نقيضه (٣)، عدّته العرب تارة بالباء، وتارة بإلى فقالوا: أسأت إليه، وأسأت به، قال كثيّر:
أسيئي بنا أو أحسنى لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت (٤)
والوجه الثانى: أن تجعل {عَلَيْكُمْ} منفصلة مما قبلها، فتكون إغراء بمعنى الزموا، كأنه اجتزأ بقوله:{قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ} ثمّ قيل على وجه الاستئناف: {عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} أى عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وأن لا تقتلوا أولادكم، وأن لا تقربوا الفواحش، كما تقول: عليك شأنك، أى الزم شأنك، وكما قال تعالى:{عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}(٥) أى الزموا أنفسكم.
وقوله:{مِنْ إِمْلاقٍ} أى من خوف إملاق، ومن أجل إملاق، والإملاق والإفلاس والإقتار والإعدام: كلّه الفقر، واستعملت «من» فى موضع لام العلّة كقولهم: زرته من حبّى له، ولحبّى له، كما استعملت «الباء» مكان «اللام» فى قوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً}(٦).
(١) سورة القصص ٧٧. (٢) الآية المتمة المائة من سورة يوسف. (٣) انظر أن النقيض يحمل على النقيض فى التعدية، فى شرح الحماسة ص ١٤٦٢، والخصائص ٢/ ٣١١،٣٨٩. (٤) ديوانه ص ١٠١، وتخريجه فى ص ١٠٥، وقد أعاد المصنف إنشاده فى المجلسين: الثامن عشر، والحادى والثمانين. (٥) سورة المائدة ١٠٥. (٦) سورة النساء ١٦٠.