نعم، وأعطاه ما طلب، ثم نظر إليه في عرض الناس مفكرا، فقال: عليّ بأبي جمعة، فجئ به، فقال: إن عرفتك بفكرتك فيم هي فلي حكمي؟ قال: نعم، قال: قلت في نفسك: أنا في شر حال، خرجت مع رجل من أهل النار، وليس على نحلتي، وربما أصابني سهم غرب (١) فأتلفني لغير معنى، قال: والله يا أمير المؤمنين، ما أخطأت ما في نفسي، قال: فاحتكم، قال: حكمي أن آمر لك بعشرة آلاف درهم [ص ٢٥٦] وأردك إلى منزلك، ففعل به ذلك، فمدح كثير عبد الملك، فمما قال فيه:(٢)
من النفر البيض الذين إذا انتجوا … أقرّت لنجواهم لؤي بن غالب
كريم يؤول الراغبون ببابه … إلى واسع المعروف جزل المواهب
إمام هدى قد سدد الله رأيه … وقد أحكمته ماضيات التجارب
والتقى عبد الملك ومصعب (٣) بالجاثليق، فبقي مصعب كلما قال لرجل:
(١) سهم غرب: لا يدرى راميه. (٢) ديوان كثير عزة ص ٤٦. (٣) مصعب بن الزبير: ابن العوام بن خويلد الأسدي القرشي، أحد الولاة الأبطال في صدر الإسلام، كان عونا لأخيه عبد الله في تثبيت ملكه بالحجاز والعراق، ولاه أخوه البصرة سنة ٦٧ هـ، فضبط أمورها، وقتل المختار الثقفي، ثم عزله عنها مدة سنة، ثم أعاده وأضاف إليه الكوفة، وقصده عبد الملك بن مروان بجيوشه فكان مصعب يفل جيش عبد الملك، ثم خذل مصعبا قواده وأصحابه، وبعد قتال شديد قتل مصعب عند دير الجاثليق على شاطئ دجيل من أرض مسكن، وحمل رأسه إلى عبد الملك، كان كريما حسن السياسة، وبمقتله صفت الأمور لعبد الملك بن مروان سنة ٧١ هـ. (الطبري وابن الأثير حوادث سنة ٧١ هـ، تاريخ الإسلام للذهبي ٣/ ١٠٨، ابن سعد ٥/ ١٣٥، رغبة الآمل في مواضع كثيرة)