إنه أنفق عليه فيء المسلمين وأعطياتهم. وليس يجتمع منه شيء ينتفع به. فأراد أن يبيضه بالجصّ. فقيل له: تذهب النفقات فيه. فأراد أن يستره بالخزف فقيل له: ضاهيت الكعبة. فبينا هو كذلك إذ ورد عليه وفد الروم. فاستأذنوا في دخوله فأذن لهم. وأرسل معهم من يعرف الروميّة وقال: احفظوا ما يقولون.
فلما وقفوا تحت القبة، قال رئيسهم: كم للإسلام؟ قالوا: مائة سنة. قال: فكيف تصغّرون أمرهم؟ ما بنى هذا البنيان إلا ملك عظيم. وأتى الرسول عمر فأخبره، فقال: أما إذ [هو] غايظ العدوّ، فدعه.
وقال أحمد بن إبراهيم بن ملّاس (١): حدثنا أبي عن أبيه قال: لما قدم المهديّ يريد بيت المقدس، ومعه أبو عبيد الله الأشعري (٢) كاتبه، فقال: يا أبا عبيد الله! سبقنا بنو أمية بثلاث: بهذا البيت، لا أعلم على الأرض مثله، وبنبل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز. لا يكون والله فينا مثله أبدا. فلما أتى بيت المقدس ودخل الصخرة قال: يا أبا عبيد الله، هذه رابعة.
قال أحمد (٣): وحدثنا أبي أن المأمون لما دخل مسجد دمشق ومعه المعتصم ويحيى بن أكثم قال: ما أعجب ما في هذا المسجد؟ قال المعتصم: دهنه (٤)
(١) الخبر في تاريخ دمشق ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧ (٢) أبو عبيد الله الأشعري: معاوية بن عبيد الله بن يسار الأشعري، كاتب ووزير، أصله من طبرية (الأردن)، اشتغل بالحديث والأدب، كان كاتب المهدي ووزيره قبل أن يلي الخلافة، فلما ولي المهدي الخلافة فوض إليه تدبير المملكة والدواوين، فنهض بالأعباء وجعل للخلافة شأنا، توفي سنة ١٧٠ هـ. انظر ترجمته في كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري ١٢٦، وما بعدها، تاريخ بغداد ١٣/ ١٩٧، الفخري ١٣٣. (٣) الخبر في تاريخ دمشق ٢/ ٢٤٧ وأحمد (راوي الخبر) هو أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملّاس، راوي الخبر السابق. (٤) في تاريخ دمشق: ذهبه، (تصحيف).