قُلْتُ: ثُمَّ أَقرَأ الفَلْسَفَة وَالمَنْطِقَ بِمِصْرَ بِالجَامِعِ الظَّافرِيِّ، وَأَعَادَ بِقُبَّةِ الشَّافِعِيِّ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ، ثُمَّ قَامُوا عَلَيْهِ، وَرَمَوْهُ بِالانْحِلاَلِ، وَكتبُوا مَحضراً بِذَلِكَ.
قَالَ القَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ (١) : وَضَعُوا خُطُوطَهُم بِمَا يُسْتَباح بِهِ الدَّمُ، فَخَرَجَ مُستخفِياً، وَنَزَلَ حَمَاةَ.
وَأَلَّف فِي الأَصْلَيْنِ، وَالحِكْمَةِ المشؤومَةِ (٢) ، وَالمَنْطِقِ، وَالخلاَفِ، وَلَهُ كِتَابُ (أَبكَارِ الأَفكَارِ) فِي الكَلاَمِ، وَ (مُنتهَى السُّولِ فِي الأُصُوْلِ) ، وَ (طرِيقَةٌ) فِي الخلاَفِ، وَلَهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِيْنَ تَصنِيفاً.
ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَدرَّس بِالعَزِيْزِيَّةِ مُدَّة، ثُمَّ عُزِلَ عَنْهَا لِسَبَبٍ اتَّهُم فِيْهِ، وَأَقَامَ بَطَالاً فِي بَيْته.
قَالَ: وَمَاتَ فِي رَابِعِ صَفَرٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاَثِيْنَ وَسِتِّ مائَةٍ، وَلَهُ ثَمَانُوْنَ سَنَةً.
وَقَالَ سِبْطُ الجَوْزِيِّ (٣) : لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مَنْ يُجَارِيه فِي الأَصْلَيْنِ وَعِلمِ الكَلاَمِ، وَكَانَ يَظهرُ مِنْهُ رِقَّةُ قَلْبٍ، وَسُرعَةُ دَمعَةٍ، أَقَامَ بِحَمَاةَ، ثُمَّ بِدِمَشْقَ.
وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحَكَى عَنْهُ: أَنَّهُ مَاتَتْ لَهُ قِطَّةٌ بِحَمَاةَ، فَدَفَنَهَا، فَلَمَّا سَكَنَ دِمَشْقَ، بَعَثَ وَنَقَلَ عِظَامَهَا فِي كِيْسٍ، وَدفَنَهَا بقَاسِيُوْنَ.
قَالَ: وَكَانَ أَوْلاَدُ العَادِلِ كَلُّهُم يَكْرَهُوْنَه؛ لِمَا اشْتُهِرَ عَنْهُ مِنْ عِلْمِ الأَوَائِلِ وَالمَنطِقِ، وَكَانَ يَدخُلُ عَلَى المُعَظَّمِ فَلاَ يَتَحَرَّكُ لَهُ، فَقُلْتُ: قُمْ لَهُ عِوضاً عَنِّي (٤) .
فَقَالَ: مَا يَقبَلُه قَلْبِي.
وَمَعَ ذَا وَلاَّهُ تَدرِيس العَزِيْزِيَّةِ، فَلَمَّا مَاتَ،
(١) وفيات الأعيان: ٣ / ٢٩٣ - ٢٩٤ باختصار.
(٢) قوله " المشؤومة " من إضافات الذهبي، فابن خلكان لم يقلها!
(٣) مرآة الزمان: ٨ / ٦٩١.
(٤) أصل كلام السبط الذي اختصره الذهبي: " وكان إذا دخل على المعظم والمجلس غاص لا يتحرك له، فكنت أخجل من الآمدي حتى قلت للمعظم يوما: عوض ما تقوم لي قم للآمدي ".