ولك أنْ تقول: إنَّ التقوى فوقَ الرَّهبةِ، فحيثُ ما خاطَبَ العامَّةَ عالِمَهم ومقلِّدَهم، وحثَّهم على شكر النعمة التي يشتركون فيها، أمرهم بالرهبة التي هي من مبادئ التقوى، وحيث خاطَبَ العلماءَ منهم خاصةً وحثَّهم على مراعاة آياته والتنبيهِ على ما يأتي به أولو العزم من الرسل أمرهم بالتقوى التي هي منتهَى الطاعة.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ عطف على ما قبله، واللَّبْس والسَّتر أخَوان، وضدُّ السَّتر: الكشف، وضدُّ اللَّبس: الإيضاح.
واللباسُ: ما واريتَ به جسدَك، ومن جملة أسبابه الخلطُ.
وقد تقدَّم الكلام في الحق، وأمَّا الباطل فممَّا لا ثبات له عند الفحص عنه، والحقُّ يناقِضُه، وذلك عامٌّ في الاعتقاد والمقال والفعال.
والباء صلةٌ معناها الإلصاقُ؛ أي: لا تخلطوا الحقَّ بالباطل بأنْ تكتبوا في التوراة ما ليس منها. أو للاستعانة؛ أي: لا تجعلوه ملتبِسًا بسببِ الباطل الذي تكتبونه، فلا نظر حينئذٍ إلى معنى الاختلاطِ كما لا نظر في الأوَّل إلى معنى الاشتباه.
﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ بأنْ تقولوا: ليس وصفُ محمدٍ ﵇ أو هذا الحكمُ في التوراة، فليس المراد من الحقِّ في الموضعين شيئًا واحدًا.
و (تكتموا) جزمٌ داخلٌ تحت حكم النهي، بمعنى: ولا تكتموا، أو منصوبٌ بإضمار (أنْ)، والواوُ بمعنى الجمع، وحقيقتُه: لا يكنْ منكم لبسُ الحق وكتمانُ الحق، والقصدُ إلى أن يَنعيَ عليهم سوءَ فعلهم الذي هو الجمعُ بين أمرين كلُّ واحدٍ منهما مستقِلٌّ بالقُبح ووجوبِ الانتهاء عنه.