شاعَ حذفُ مفعولِ (شاء) و (أراد) مع حرفِ الشَّرط لدلالة الجوابِ عليهِ، حتَّى لا يكادُ يُذْكَر إلَّا إذا كان مسْتَغرَبًا، كقوله:
ولو شِئتُ أنْ أبْكي دَمًا لَبَكَيْتُهُ (١)
أرادَ: ولو شاء اللهُ لزاد في قَصيْف الرَّعد فأصمَّهم، وفي خُفوق البرقِ فأعْماهم.
وفائدةُ هذه الشَّرطيَّةِ: التنْبيهُ على أنَّ كلَّ محنةٍ معها مِنْحةٌ، وأنَّ نعمةَ الدَّفع تفوقُ نعمةَ النَّفعِ.
ولا دلالةَ فيه على وجود ما يقتضي الجزاءَ المذكورَ، ولا على أنَّ تأثيرَ الأسبابِ شرْطٌ لمشيئة اللهِ تعالى، وأمَّا أنَّ الكلَّ واقعٌ بقدرتهِ تعالى فالتنبيهُ عليه بقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ تقريرٌ لِمَا تقدَّم، ولا اختصاصَ لـ (الشَّيء) بالموجود، كيفَ وهو أعمُّ العامِّ يقعُ على الواجب والمُمكن والممتنعِ؟ نصَّ على ذلك سيبَويْه حيثُ قال في "كتابه": إنَّ (الشَّيء) يقعُ على [كلِّ] ما أُخبرَ عنه (٢).
وخُصَّ هاهنا بالممكنِ بدليل العقلِ وقرينةِ القدرةِ؛ إذ القدرةُ هي مبدأُ الأفعالِ المتضادَّةِ على نسبةٍ متساويةٍ، والواجبُ راجحُ الوجودِ، والممتنعُ راجحُ العدمِ، فلا يمكنُ تساوي الطَّرفينِ الذي هو شرطُ تعلُّقِ القدرةِ إلَّا في المُمكن، فكأنَّه قيل: على كلِّ شيءٍ ممكنٍ قديرٌ.
(١) انظر: "الكامل" للمبرد (٤/ ٣)، و"ذيل الأمالي" للقالي (ص: ٢٢١)، و"الكشاف" (١/ ٨٧). وهذا صدر بيت للخريمي كما ذكر البكري في "اللآلي" (٣/ ٥٧)، قال: والخريمي - وقد كثر التصحيف في اسمه - هو أبو يعقوب إسحاق بن حسان بن قُوهي من شعراء الدولة العباسية. وعجز البيت: عليه ولكن ساحة الصبر أوسع (٢) انظر: "الكتاب" (١/ ٢٢).