للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

(١٦) - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ استئنافٌ جارٍ مجرى التَّعليلِ لاستحقاقهم الاستهزاءَ الأبلغ، والمدِّ في الطُّغيان، ويحتملُ (١) أنْ تُجعلَ مقرِّرةً لقوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

واستُعيرت (٢) الضَّلالةُ - وهو الجورُ عن القصد - للذَّهاب عن الحقِّ والصوابِ في الدِّين، والهدى - وقد مرَّ بيانُ معناه - للنُّور الفِطريِّ والدِّينِ القيِّم الأصليِّ، والاشتراءُ - وهو إعطاءُ بدلٍ وأخذُ آخرَ - للاستبدال؛ أي: اختاروا الضَّلالةَ واستبْدَلوها بالهُدى.

﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ الرِّبحُ: الفَضلُ على رأس المالِ. والتَّجارةُ: تعاطي الأمتِعةِ بالبيْع والشِّراءِ للرِّبح، وعدمُ الرِّبحِ كِنايةٌ عن الخُسران، ويسْبتهُ إلى التِّجارة على التوسُّع الشائعِ.

قال الرَّاغبُ: والرِّبحُ والخُسرانُ يُنسبانِ مرَّةً إلى صاحب السِّلعةِ، ومرةً إلى السِّلعة، ومرةً إلى الصَّفقة (٣)؛ إذْ لا اشتباهَ فيه (٤).

وحُسْنُ تلكَ الكِنايةِ التي هي ترشيحٌ للاستعارةِ (٥) المذكورة يظهرُ في وجه قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أي: لطريق التِّجارةِ؛ فإنَّه كنايةٌ عن إضاعة الطَّلِبةِ الأصليَّةِ وهي سلامةُ رأسِ المال؛ لأنَّ مَن لم يهتدِ لطريق التِّجارةِ تكثرُ الآفاتُ في أمواله، ويعمُّ الحِرمانُ أكثرَ أحوالهِ.


(١) في "ف": (ويجوز).
(٢) في "ف": (استعيرت).
(٣) في "ح " و"م": (الصفة)، وفي "ف" و"ك": (الصنعة)، والمثبت من "د".
(٤) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٠٦).
(٥) في "ف" و"م": (الاستعارة).