للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ الهُزءُ: السُّخرية من شيء يحقُّ عند صاحبهِ ولا يحقُّ عندَ الهازئِ.

استئنافٌ، كأنَّهم اعترَضوا عليهم حين قالوا: (إنَّا معكم)، فقالوا: فما بالُكُمْ توافقونَ؟ فقالوا: (إنَّما نحنُ مستَهزئونَ).

ويجوز أنْ يكونَ تأكيدًا لقوله: (إنا معكم)؛ لأنَّه لمَّا كان معنى قوله: (إنَّا معكم) هو: إنَّا معكم قُلوبًا، وتوهَّم أصحابُ محمدٍ الإيمانَ، وقَع قولهُ: (إنما نحن مستهزئون) مقرِّرًا له؛ لأنَّ الاستخفافَ بالشَّيء إنكارٌ له، ودفع للاعتداد به، ودفعُ نقيضِ الشَّيء تأكيدٌ لثُبوته.

أو أنْ يكونَ بدلًا؛ لأنَّ مَن حقَّر الإسلامَ فقدْ عظَّم الكفرَ.

والأولُ أوجهُ؛ لزيادة الفائدةِ، وكونِ المحرِّكِ للسؤال - أعني قوله: (إنا معكم) - في غاية الظُّهورِ.

(١٥) - ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾ يقال: هَزِئْتُ واستَهْزَأتُ، نحو: أجَبْتُ واستَجَبْتُ، والصحيحُ أنَّ الاستهزاءَ: ارتيادُ الهُزءِ، وإنْ كان قد يُعبَّر به عنهُ، وكذا الاستجابةُ في الأصل معناها مخالفٌ للإجابةِ، وإنْ كان قدْ يجري مجراها، كذا قال الراغب (١).

لمَّا ذَكرَ استِهزاءَهم بالمؤمنينَ استأنفَ الكلام إظهارًا للسُّخط، وإنَّما قال: ﴿يَسْتَهْزِئُ﴾ ليدلَّ على دوامِ تجدُّد الاستهزاءِ وقتًا فوَقتًا، وفي الجملة الاسميَّةِ والخبر


(١) انظر: "تفسير الراغب" (١/ ١٠٣).