﴿الم﴾ في الفواتح المقطَّعة أوجُهٌ، والأوجَهُ أنَّها أسماءُ السُّورة، وعليه الأكثر، ومحلُّها رفعٌ على الابتداء، وقيل: نصبٌ أو جرٌّ على حذْف حرفِ الجرِّ وإضمارهِ.
والمرويُّ عن الصدر الأوَّل في التهجِّي أنَّها أسرارٌ بينَ الله تعالى ونبيِّه.
وقال بعضُ الكُمَّلِ: قد يجري بينَ المحرمينِ كلماتٌ مُعمَّاةٌ تُشير إلى سرٍّ بينَهما (١).
والمقطَّعاتُ في أوائل السُّورِ من هذا القَبيلِ، فإنَّه تعالى قد وضَعَها مع نبيِّه ﵇ في وقتٍ لا يسعُهُ فيه ملَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسَل، ليَتكلَّم بها معه على لسان جِبْرائيلَ ﵇ بأسرارٍ وحقائقَ لا يطَّلعُ عليْها جبرائيل ﵇.
ويدلُّ على هذا ما رُوي في الأخبار أنَّ جبرائيل ﵇ لمَّا نَزلَ بقوله تعالى: ﴿كهيعص﴾، فلما قال: كاف، قال النبيُّ ﷺ:"علمتُ"، فقال: ها، قال:
= النِّسَاءُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْترَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ ثُمَّ قَالَ: "مِنْ هَا هنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أنزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ ﷺ ". قال الآلوسي في "روح المعاني" (١/ ٣١٧): وهو معارِض لما روي من منع ذلك، وتعيُّنِ أن يقال: السورة التي يذكر فيها البقرة، وكذا في سور القرآن كله، ومن ثمة أجاز الجمهور ذلك من غير كراهة. (١) هذا الكلام للسجاوندي كما في "فتوح الغيب" للطيبي (٢/ ٣٣)، و"نواهد الأبكار" للسيوطي (١/ ٢٦٩)، وزادا: وتفيد تحريض الحاضرين إلى استماع ما بعد ذلك، وهذا معنى قول السلف: حروف التهجي ابتلاء لتصديق المؤمن وتكذيب الكافر.