والعدولُ عن مقتضَى ظاهرِ السياقِ - وهو: المكذِّبينَ - إلى ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ للتنبيهِ على أن التكذيبَ إنما يستوجِبُ (١) نزولَ العذابِ إذا كان بعدَ الإنذارِ، فاعتبِر هذا اللطفَ، وذُق لطفَ هذا الاعتبارِ.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾: البعثُ أعمُّ من الإرسال؛ فإن كل شيءٍ أرسلتَه فقد بعثتَه، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]، والذي أُمِرَ بتبليغ الرسالةِ إلى قوم وهو فيهم إنما يناسبُه عبارةُ البعث دونَ الإرسال.
﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: من بعدِ نوحٍ ﵇ ﴿رُسُلًا﴾ التنكيرُ للتكثيرِ ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾: إلى أقوامِهم كلُّ رسولٍ إلى قومه، وإنما لم يُجمَع لأنَّه في الأصلِ مصدرٌ.
﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾: عبارةُ (كان) الدالَّة على الاستمرار مقدَّمةٌ على أداة النفي في الاعتبارِ؛ أي: لم يؤمنوا بهم (٢) وأصرُّوا على الإنكار، وفي زيادةِ لامِ الجحود تأكيدٌ لهذا المعنى، ودلالةٌ على أن إيمانهم في حيِّزِ الامتناع.
﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾: بسبب تعوُّدِهم بتكذيبِ الحقِّ وتمرُّنهم عليه من قبل بعثة الرسلِ؛ أي: ما تفاوت في حالهم قبلَ البعثة وبعدَه؛ لاعتيادِهم بالعنادِ وإنكار الحقِّ.