ولم يزل العلماء يردون على القدرية أقوالهم ويبطلون استدلالهم ويكشفون تلبيسهم ويظهرون تدليسهم. وبذلك أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- بقوله:"يحمل هذا العلم من خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"(٢).
ولا تزول الشبه عن قلوب العامة إلا من حيث دخلت وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يزيل الشبه من حيث علم دخولها.
روي أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله إن امرأتي أتت بولد أسود ونحن أبيضان فعلم النبي - صلى الله عليه وسلم- أن الشبهة قد دخلت عليه بولده، وأنه قد وقع عنده أن زوجته أتت به من غيره، ولو قال له النبي - صلى الله عليه وسلم- هو ابنك الولد للفراش، لم تزل عنه الشبهة، فعدل عن ذلك وقال له:"هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال:"ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال له:"هل فيها من أورق؟ " - والأورق ما لونه كلون الرماد - قال: نعم إن فيها لورُقا قال: "فأنى ترى ذلك؟ " قال: لعل عرقا نزعها؟ فقال - صلى الله عليه وسلم-: "وهذا لعل عرقا نزعه .. "(٣).
(١) معنى ذلك أن أدلة العلماء تقوم بها الحجة على الناس كما أن الحجة تقوم بمعجزات الأنبياء. (٢) أخرج البزار. انظر: كشف الأستار ١/ ٨٦، وابن عدي في الكامل. انظر: ١/ ١٥٢، ٣/ ٩٠٢، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ٥٩. كلهم من حديث أبي هريرة وابن عمر - رضي الله عنهما - من طريق خالد بن عمرو القرشي عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب. قال ابن عدي في ترجمة خالد بن عمرو: "وهذه الأحاديث رواها خالد عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب كلها باطلة". وعندي أن خالد بن عمرو وضعها على الليث. الكامل في الضعفاء ٣/ ٩٠٢. وقد أورد ابن عدي في الكامل ١/ ١٥٢ - ١٥٣ عدة طرق لهذا الحديث ولكنها طرق واهية. وذكر هذا الحديث ابن القيم في مفتاح دار السعادة فذكر طرقه وليس فيها طريق يخلو من مقال. انظر: مفتاح دار السعادة ١/ ١٦٥. (٣) أخرجه خ. كتاب الطلاق (ب. إذا عرض بنفي الولد) ٨/ ٤٦، م. كتاب اللعان ٢/ ١١٣٧. كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.