أوبقني البرد فأخذت ثوبا من صوف كان عندنا، ثم أدخلته في عنقي، وحزمته على صدري أستدفئ به، والله ما في بيتي شيء آكل منه، ولو كان في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء لبلغني، فخرجت في بعض نواحي المدينة، فانطلقت إلى يهودي في حائط فاطلعت عليه من ثغرة في جداره، فقال: مالك يا أعرابي هل لك في دلو بتمرة. قلت: نعم، افتح لي الحائط، ففتح فدخلت فجعلت أنزع الدلو ويعطيني تمرة حتى ملأت كفي، قلت: حسبي منك الآن، فأكلتهن، ثم جرعت من الماء، ثم جئت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجلست إليه في المسجد، وهو مع عصابة من أصحابه، فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرفوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة، وأرهفه عيشا، فلما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر ما كان فيه من النعيم، ورأى حاله التي هو عليها، فذرفت عيناه فبكى، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتم اليوم خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم، وريح عليه بأخرى، وغدا في حلة، وراح في أخرى، وسترتم بيوتكم كما تستر الكعبة؟ قلنا: بل نحن يومئذ خير نتفرغ للعبادة. قال: بل أنتم اليوم خير.
قوله:"وعن محمد بن كعب القرظي" منسوب إلى بني قريظة، وفي الحديث أنه قال يخرج من الكاهنين رجل يقرأ القرآن لا يقرأ أحد قراءته. قيل: أنه محمد بن كعب القرظي، وكان [يقال](١) لقريظة والنظير الكاهنان، وهما قبيلا اليهود بالمدينة، وهم أهل كتاب وفهم وعلم، وكان محمد بن كعب من أولادهم والعرب تسمي كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا. ومنهم