خلاف الظاهر ولا ضرورة إليه، بل الصواب خلافه، وأن [النبي]- صلى الله عليه وسلم - لم يزل يتقلب في اليسار وفي القلة حتى توفي - صلى الله عليه وسلم -، فتارة يوسر، وتارة ينفد ما عنده، كما ثبت في الصحيح (١) عن أبي هريرة قال: "خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير"، وتوفي - صلى الله عليه وسلم - ودرعه مرهونة على شعير استدانه لأهله، وغير ذلك مما هو معروف، فكان - صلى الله عليه وسلم - في وقت يوسر به، ثم بعد قليل ينفد ما عنده لإخراجه في طاعة الله في وجوه البر، وإيثار المحتاجين، وضيافة الطارقين، وتجهيز السرايا، وغير ذلك، وهذا كان خلق صاحبيه - رضي الله عنهما - بل أكثر أصحابه، وكان أهل اليسار من المهاجرين والأنصار مع برهم له - صلى الله عليه وسلم - وإكرامهم إياه وإتحافه بالطرف وغيرها، ربما لم يعرفوا حاجته في بعض الأحيان لكونهم لا يعرفون فراغ ما كان عنده من القوت [بإيثاره]، ومن علم ذلك منهم ربما كان ضيِّق الحال في ذلك الوقت كما جرى لصاحبيه، ولا نعلم أحد من الصحابة علم حاجة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو متمكن من إزالتها لكن كان - صلى الله عليه وسلم - يكتمها عنهم إيثارا لتحمل المشاق، وحملا عنهم، وقد بادر أبو طلحة - حين قال: سمعت صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرف فيه الجوع - إلى إزالة تلك الحاجة، وقد وصفهم الله تعالى بذلك فقال تعالى:{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}(٢). وقال تعالى:{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}(٣). [وأشباه هذا
(١) صحيح البخاري (٥٤١٤). (٢) الحشر: ٩. (٣) الفتح: ٢٩.