فناهيك بقلة الأقوات، نزل بدار تعرف بالجاثيلق (١) من أدر الخلافة هي الآن باقية البناء تامة البهجة صالحة المنازل للملوك.
قال قاضي القضاة أبو محمد الحسن الغوري: إنها ليست من ديار الخلفاء بل هي دار الدوادار (٢) الكبير، وكان قد نزلها الجاثليق في زمان هولاكو. وكان معظمًا عنده لمكانه من قطر خاتون زوجة هولاكو (٣).
ولقد سألت الصدر مجد الدين بن الدوري عن السبب في قلة الغلال ببلاد العراق مع امتداد سوادها وقبول أرضها للنبات؟ فقال: لهذا سببان! قلة الزرع لما استهلكه القتل زمان هولاكو وميرة العراق لما جاوره من البلاد.
وببغداد خاصة، وهذه المملكة عامة الآثار الجميلة والآثار الباقية من الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق (٤) والربط والبيمارستانات (٥) والصدقات الجارية ووجوه البر المتعددة، ومن يوفي صفات محاسن العراق، وقد كانت قبلة ملوك الآفاق وما بالعهد من قدم، ومنها قلائد الأعناق، وترابها لمى القبل وإثمد الأحداق.
وسألت الفاضل نظام الدين أبا الفضل يحيى بن الحكيم: إن كانت الأوقاف باقية في نواحي هذه المملكة عليها الآن أم تناولتها أيدي العدوان فأخبرني بأنها جميعها جارية في مجاريها لم يتعرَّض إليها متعرّض لا في دولة هولاكو ولا فيما بعدها، بل كل وقف بيد متوليه ومن له الولاية عليه؛ وكل ما يقال من نقص أحوال الأوقاف بالإيران جميعًا هو من سوء ولاة أمورها لا من سواهم.
وحدثني هذا الفاضل نظام الدين أبو الفضائل يحيى بن الحكيم الطياري بكثير من أحوال هذه المملكة وقواعد ملوكها وترتيب جنودها وجيوشها؛ فمما حدثني: أن السلاطين بها لا التفات لهم إلى أمر ولا نهي في البلاد ولا في متحصلات الدخل والخرج فيها، بل الوزير هو حامل هذه الأعباء، وله التصرف المطلق في الولاية والعزل والعطاء والمنع لا يشاور السلطان إلا على ما جلّ من المهمات فيما قلّ من الأمور كلها وبيده عقدها وحلّها.
(١) الجاثليق: رئاسة رؤساء الكهنة السريان في بلاد المشرق «الأعلام (٥/ ٣٠٨) ومقدم الأساقفة جمعه جثالقة «المعجم الوسيط ١/ ١١١». (٢) الدوادار: من الكلمة دوات دار أي صاحب الدواة، يعني الكاتب انظر: فرهنك رازي ٣٥٦». (٣) قطر خاتون زوجة هولاكو هي دوقوز ختون كانت مسيحية وهي ابنة ملك الكرايت «جامع التواريخ ٢/ ٢٢٠» (٤) خوانق جمع مفرده، خانقاه مكان يقيم فيه المتصوفة، وهي الصومعة والتكية «فرهنك رازي ٢٦١». (٥) البيمارستانات جمع مفرده بيمارستان، وترد أحيانًا مارستان في الفارسية وغالبًا في العربية وهي دار الشفاء «فرهنك رازي ٧٤» ويذكرها ابن بطوطة مانستار «رحلته ص ٢٣٥».