بالنميمة، ويعقد مكائده على رأسه عَقْدَ التميمة، فحضر إليه وأحضر معه عهد جده، فتمسك السلطان في مبايعته بشبهته، وصرف وجه الخلافة إلى جهته، وكان قد تقدم نَقْضُ ذلك العهد، ونَسْخُ ذلك العقد، وقام قاضي القضاة أبو عمر بن جماعة (١) في صرف رأي السلطان عن (٢) إقامة الخطبة باسم الواثق فلم يفعل، فاتفق الرأيان على ترك الخطبة للاثنين، واكتفى فيها بمجرد اسم السلطان، فترجل (٣) بموت المستكفي اسم الخلافة عن المنابر، كأَنَّهُ ما عَلا ذِرْوَتَها، وخلا الدعاء للخلفاء من المحاريب كأنه ما قرع بابها ومَرْوَتَها، فكأنما كان آخر خلفاء بني العباس وشعارها عليه لباس الحداد، أغمدوا (٤) تلك السيوف الحداد، ثم لم يزل الأمر على هذا حتى حضرت السلطان الوفاة، وقَرَعَ الموتُ صفاه، فكان مما أوصى به رد الأمر إلى أهله، وإمضاء عقد المستكفي لابنه، وقال: الآن حَصْحَصَ الحق، وحنا على مخلفيه ورق، وعزل إبراهيم وهزل، وكان قد رعى الهمم (٥)، وستر اللؤم بثياب أهل الكرم، وتسمن وشحمه وَرَم وتسمّى بالواثق، وأين هو من صاحب هذا الاسم؟ الذي طالما سرى رُعْبُهُ في القلوب، وأمنت هيبته العيوب (٦)، وهيهات لا تُعدّ من النسر التماثيل، ولا الناموسة وإن طال خرطومها كالفيل، وإنما سوق (٧) الزمان قد ينفق ما كسد، والهر يحكى انتفاخًا صولة (٨) الأسد، وقد عاد الآن يَعَضُّ يديه، ومَنْ يهن يسهل الهوان عليه (٩).
ثم قام:
(١) عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم ابن جماعة الكناني الحموي الأصل، الدمشقي المولد، ثم المصري، ولي قضاة القضاة سنة ٧٣٧ هـ، وجاور بالحجاز فمات بمكة سنة ٧٦٧ هـ. انظر: الدرر الكامنة ٥/ ٣٧٨ والأعلام ٤/ ٢٦. (٢) في الأصل: على والتصويب عن تاريخ الخلفاء. (٣) في تاريخ الخلفاء: فرحل. (٤) الأصل: وعمود والتصويب عن تاريخ الخلفاء. (٥) في تاريخ الخلفاء: البهم. (٦) كذا في الأصل: وفي تاريخ الخلفاء وأقضت هيبته مضاجع الجنوب. (٧) في الأصل: سوء، والتصويب عن تاريخ الخلفاء. (٨) في تاريخ الخلفاء: صورة. (٩) تضمين لقول المتنبي: من يهن يسهل الهوان عليه … ما لجُرحٍ بميت إيلام وفي تاريخ الخلفاء: هذا آخر كلام ابن فضل الله.