المستمسك (١) الامير أبي عبد الله محمد، حين توفي المستمسك، وتجرع أبوه صاب مصابه، وطوى جوانحه على داء أوصابه، ثم جعل بعده العهد إلى إبراهيم (٢) ولد المستمسك ظنًا أنه يصلح لان يُصرّح باسمه على المنابر، ويجيء على أذيال آبائه الأكابر، فلما توفي الحاكم وخرج سلار كامل الممالك فمن دونه في جنازته، وقاموا نحو كرامته وغرارته، بويع المستكفي بيعةً طوّقت الرقاب، وطولت له ذيل الخلافة على الأعقاب، وكان هو وسلطاننا كأنهما أخوان لما بينهما من إلْفَةٍ جامعة، ومودة لفرق الأعداء قامعة، وحَضَرَ نوبة مرج الصفر وكان على عهد الله المظفر، سار سلطاننا به، فأيّد الله بهما هذه العصابة وكان يومهما بمرج الصفر ثاني يوم الصحابة، كل منهما هد أركان العدو، وهدم بنيان أهل العتو، ثم لم يزل به لرسم الخلافة آثار باقية، وشيء يحفظ به تلك البقية المتلاشية، حتى كان من نزول السلطان عن الملك سنة ثمان وسبعمائة ما كان، وحصل الاجتماع على المظفر بيبرس، فقلده المستكفي، وسوّره، وصيّره حيث صيّره، فنقمها عليه السلطان وأسرها له، ثم لما قام السلطان لاسترجاع ضالته، وإنباه المظفر من كرى ضالته، استجاش المظفر بالمستكفي يجدّد له الولاية، ونُسبت في السلطان أقوال إليه حَمَلَتْ السطان على التحامل عليه، فلما عاود الزمان عقله، وحلَّ من الحظ الناصري عقله، وعاد السطان سنة تسع وسبعمائة إلى تختِه، وعاد ما ألف من بختِهِ، أعرض عن المستكفي كل الإعراض، ودبّت بينهما الأمراض، فلم يزل يكدّر على المستكفي المشارب، ويقف دونه في وجوه المآرب، حتى تركه في برج في القلعة ورجل آخر معه لا أسميه، ولم يزالا يلاطفان السلطان حتى أنزله إلى داره، وأطلع هلاكه نضوًا من سِرارِهِ، ثم نُسِبَ إلى ابنه صدقة التعلق ببعض خاصة السلطان، وتردّد ذلك الغلام إليه، فنفي الغلام، وأصعد بالخليفة إلى قوص، فقدمت له مطايا السفين، وأنزل معه بعض حُرَمِهِ وقد خفين، ثم أَقْلَعَتْ بهم تلك السواري، وعادوا أجِنَّةً في بطون تلك الجواري، إلا أنه لم ينقص من روايته، ولا أسقط اسمه عن المنابر، وغبر عن هذا مدّة يعلّل فيها نفسه إلى أن عَلَقَتْ بابنه صدقة أشراك المنون، وجالت في منيته الظنون، فجزع عليه جزعًا شديدًا استخف وقاره، وحرَّكَهُ بَلْ أَطارَه، ثم لم تطل به المدة ولا بقي إلا قليلًا بعده،
(١) المستمسك بالله، محمد بن أحمد بن أبي علي العباسي، كان أكبر من أخيه المستكفي. مات في حياة أبيه الحاكم مسجونًا بالبرج من القلعة وقد ولي ابنه الخلافة بعد المستكفي. انظر الدرر الكامنة ٣/ ٤٣٤. (٢) بويع له بعد عمه المستكفي وستأتي ترجمته.