قال: وللهند رسوم وسُنَن قد جرت عادتهم بها، ومنها ما يتدينون به، ومنها ما قد اصطلحوا عليه، ومنها ما ينفرد به فزقةً دون أخرى، ومنها ما يستحسنه بعضهم دون بعض، وشرح ذلك لا سبيل إليه لطوله، فمن سننهم أنهم يحرقون أنفسهم بالنار، وهذا شائع في سائر الهند مستعمل، وإذا أراد الواحد منهم أن يحرق نفسه إما أن يكون قد تفتى أو قد خاطر أو قد غَضِبَ، أو قد أمَرَهُ الملك بهذا ولمعنى غير هذه المعاني طاف البلد قبل ذلك بثلاثة أيام، وبين يديه طبل يضرب به ومعه مطرد وحوله من أهله ومن يتعصب له جماعة فيجمع في تلك الأيام الحطب والدهن ليوقده إذا عزم على أن يحرق نفسه، فإذا كان في اليوم الثالث جمع ذلك الحطب وأجَجَ النار، وصب عليها الدهن، ثُمَّ جلس في كفّة حديد مثل كفّة القبان وزج نفسه في النار وأهله حول النار بالحراب، فإذا أراد أن يخرج من النار ردّوه إليها بالحراب حتى يتقطع، وكل من حوله من أهله وإخوانه وغيرهم يقول له: تقرأ على فلان السلام وفلان يقول له: كذا وكذا، يذكرون له قومًا قد ماتوا وأحرقوا أنفسهم، وهم قوم يعتقدون التناسخ وعندهم أن الإنسان يرجع بعد أربعين يومًا إلا أن روحه تعود في هيكل غير هيكله. فأما أن تعود روحه في كلب أو حمار أو بقرة، أو فيل أو غير ذلك من الحيوان، وَهُمْ أحسن الناس طاعة لملوكهم، وربما قال له الملك: امض فوجّه إليَّ برأسك فيخرج من بين يديه ويمضي فيجذب غصنًا من شجرة أو رأس قناةٍ ويُشدّ ذؤابته وطُرَّتَهُ بها ويقطع رأس نفسه يجري مثل الماء من شدّة حدته وهو سكين بمقبضين فتعلق رأسه في الشجر ويسقط جسمه، ولكل ملك من ملوك الهند جماعة يختصهم بحسب حاله، وإن مات أو قتل أو حدث به حادث قتلوا أنفسهم وإن اعتل اعتلوا، ومهما لحقه فعلوا بأنفسهم مثله.
قال: وقال لي من رأى رجلًا من الهند بصندابور وهو يطوف وبين يديه طبول ومطارد، ومعه خلق منهم، وقد قوّر قحف رأس نفسه وقلبه، وجعل في مكانه مثل المسرجة وجَعَل فيه فتيلةً تَقِدُ ودُهنًا قد ضبّبَ رأسه بما يدور بصفيحة حديد وسمر فيه مسمارين وهو يمشي ويغنّي ويمضغ التانبول فلما كان في الثاني ضَعُفَ وخار ولم يمكنه الصبر إلى اليوم الثالث فأحرق نفسه في اليوم الثاني.
ومن غريب ما يحكى: أن شجر الكافور لا يُقْطَعُ لاستخراج ما فيه إلا بعد أن يَبيت مَنْ يريد قطع الشجرة تحتها ليلةً أو ليلتين أو ما اتفق له ليرى في نومه شيئًا تخاطبه به الشجرة، وذلك أن الواحد منهم يرى في نومه كأنّ الشجر تخاطبه أو يخاطبه مخاطب عنها لا تقطعني إلا بعد أن تذبح عندي كذا وتلطخني بدمه أو نحو هذا القول والعادة جارية بذلك على طول الدهر، وأنهم لا يجوز لهم قطع شجرة إلا بعد أن يرى تحتها من